تقارير وملفات خاصة

“بلال بن رباح” في مقابر الأرقام!

الخليل- خاص قُدس الإخبارية: قرر الشهيد حسن الشرباتي مواليد العام 1950، ترك عمله في معملٍ للفخار بمدينته الخليل، بعد رفضه الحصول على الهوية الحمراء التي تصدرها سلطات الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين، معللاً قراره بأن القبول بهذا الأمر هو بداية الرضوخ للاحتلال والانصياع لأوامره.

ولأن عدم الرضوخ -وفق رؤية حسن- مقرون بالفعل على الأرض، فقد جمع ما بحوزته من مال، وكان زاده قبلات صبها على جبين والديه، وكثيرٌ من التأمل ألقاه على عتبة بيتهم القديم، ثم غادر المكان مسرعًا، تاركًا وراءه رسالة ذهبت طيَّ الكتمان بعدما عاد إلى فلسطين مقبلاً غير مدبر، وفق تعبير شقيه الأصغر “أبو محمود”.

وقال شقيق الشهيد حسن لـ”قُدس الإخبارية“: “أتذكره كأنه خيال، وربما هكذا هي ملامح وعلامات الشهداء، يغادرون الموقف بسرعة البرق، يركضون وراء أرواحهم الذاهبة إلى دار المجد والخلود الأبدي، فكان قصير القامة ضعيف الوجه، جسمه مشدود ذو عينين عسليتين وشعرًا بنيًا، ولسانًا عذب الكلام”.

لا يغادر “أبو محمود” خيمة استرداد الشهداء المحتجزة جثامينهم في ثلاجات الاحتلال ومقابر الأرقام، المنصوبة على دوار ابن رشد وسط مدينة الخليل، يقاسمه والد الشهيد وائل الجعبري المحتجز جثمانه في ثلاجات الاحتلال منذ نحو شهرين، ليالي البرد وساعاته الطويلة، يؤنسهما ذوو الشهداء ونخبة من أحرار مدينتهم.

يشير “أبو محمود” إلى أن اعتصامه من أجل انتزاع حق عائلته وجماهير شعبه في احتضان رفات الشهداء واستعادتهم، ودفنهم بعد زفاف ملكي في مقابر الشهداء، ووفق الشريعة الإسلامية، مجددًا دعواته للمقاومة الفلسطينية بعدم الرضوخ لمطالب الاحتلال ومقايضة جثامين الشهداء بأسرى جيشهم.

ويضيف أن والديه فارقا الحياة وكانت آخر وصاياهم دفن ابنهما الشهيد حسن قربهما، ليضموه طويلاً وللأبد، علهم يعوضوه عن الحرمان والتقصير الذي حل بجثمانه طوال خمسة عقود، لكن تراب الوطن يبقى أكثر رأفة ورحمة من مدن المنفى والشتات.

التحق الشهيد بعد وصوله إلى العاصمة الأردنية عمان بدورة عسكرية نظمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، علم عنها عن طريق أحد سائقي الشاحنات، الذي لاحظ الشهيد أن مركبته غير متوازنة بفعل حمولة يخفيها فيها، الأمر الذي لفت انتباه السائق ودعاه لتناول طعام العشاء.

سمع السائق الذي اختفت آثاره من الشهيد حسن قصة وصوله للأردن، وأخبار الأرض المحتلة التي ترفض التسليم بالأمر الواقع، وأبدى استعداده للتضحية والفداء لأجل شهد عنب جبال الخليل، وعاهد أرواح الشهداء وعذابات ذوي شهداء مذبحة السموع على الوفاء لهم، والتصدي لمخططات الاحتلال الرامية لتهجير وطرد وشعبه.

أبدى الشهيد استعداده للالتحاق بالدورة العسكرية داخل أحد معسكرات القيادة العامة التي كانت تخفيها في الأردن، وقد منحته الجبهة اسمًا حركيًا هو “بلال بن رباح”. خلال التدريبات، لفت انتباه مسؤول المعسكر، فتم اختياره لتنفيذ عملية ضد أحد أهداف الاحتلال على جسر الملك حسين، الخط الفاصل بين الضفتين الشرقية والغربية، وما كان من الشهيد إلا تلبية الواجب.

اشتبك الشهيد الشرباتي برفقة أحد مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، مع قوات الاحتلال المتواجدة على الجسر، فقتل وجرح منهم العشرات، وفق الشهادات التي نقلها سائقو الحافلات الذين تواجدوا لحظة وقوع الاشتباك. أكد هؤلاء على استشهاد اثنين من المقاتلين، مقدرين زمن الاشتباك بحوالي 20 دقيقة.

داهمت قوات الاحتلال بعد أيام من الاشتباك منزل عائلة الشهيد حسن الشرباتي في مدينة الخليل، وأخضعوا والده لتحقيق مكثف عن مصير ابنه حسن، ثم أبلغوه أن ابنه نفذ علمية ضد قواتهم، فما كان من الوالد إلا الرد عليهم بالقول “أخذتوا أرضنا وبتستنوا منا نسكت عن طلب حقنا”.

والشهيد الشرباتي أو “بلال بن رباح”، صاحب الرقم 990 في مقابر أرقام الاحتلال، ومهمته مقاتل في القطاع 707، الذي ارتقى عام 1969، له من الأشقاء ثلاثة رجال وخمس نساء. لا زال تراب مقابر الأرقام يحتفظ بوصاياه، وزرعها في حبيباته لتنبت سنابل وأقحوان، متمردًا ومحرضًا أهل القبور، ومطالبًا إياهم بالثورة ضد الاحتلال، الذي سلبهم وطنهم وأرضهم التي منها واليها عادوا.

ذهب “بلال بن رباح”، ومثله آلاف المقاتلين لاسترداد وطنهم المسلوب، وانتزاع أرضهم من مخالب عدوهم الموغل بالقتل أرضهم، وإن خسروا جولة لا يتعبون، وتبقى بقايا من أنفاسهم تعطر المكان الذي لا يزال يحتفظ بأسماء أبنائه الذين قضوا على مذبح الحرية شهداء في مخاض البحث عن هويتهم الوطنية المسلوبة.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى