مدوّنات

المراكز الجماهيرية … اخضاع المقدسي لسلطة المستعمر

إن أهم ما يسعى إليه المستعمِر أن يصل إلى درجة من الهدوء والاستقرار، وترويض السكان الأصليين واستمالتهم بمشاريع مادية تبعدهم عن العنف الثوري، وتصبح مطالب من ينخرط في التبعية للمستعمر، أن مطالبة الحقوق تكون من الداخل، ويدخل في قالب الاستعمار يستجدي المساواة والحقوق والمواطنة والخبز، وينسى بأنه حسب قانون المستعمر أنه يبقى في درجة ثانية أو ثالثة أو أدنى من ذلك بكثير.

ولكن مهما حصل السكان الأصليين على ظروف مادية معينة، إلا أن الاحتلال لا يستطيع أن يلبي كل حاجيات السكان الأصليين، فيقول فرانز فانون في كتابه معذبو الأرض” فإنما يجب أن نقتنع بأن الاستعمار عاجز عن أن يوفر للشعوب المستعمرة الظروف المادية التي يمكن أن تنسيها اهتمامها بالكرامة. وكلما فهم الاستعمار إلى أين يمكن أن يجرّه أسلوب الإصلاحات الاجتماعية رأيناه يعود إلى طرائقه السّابقة، فيعزز قوى الشّرطة، ويرسل فرق الجيش، ويقيم نظاماً إرهابياً يتلاءم مع مصالحه ونفسيته تلاؤماً أكمل”.

ورغم ذلك أي عودة للإحتلال بل استمرارية آلة إرهابه وبطشه يبقى هنالك أفراد على شاكلة مؤسسات من السكان الأصليين، يجملون صورته مبررين ذلك من خلال خطاب الواقع وميزان القوى والضعف.

ومع كل هبة أو انتفاضة فلسطينية وخصوصًا في القدس، تطل علينا مراكز الأبحاث والمحللين ” الإسرائيليين “، لكي يشَرحوا آلية تطويع الشارع الفلسطيني، فبعد عام 2014 وتحديدا هبة الطفل محمد أبو خضير في القدس، سعى الاحتلال، لتسكين الشارع المقدسي، ووضع رؤيتيين، الأولى المتمثلة بالمواجهة وكبح الشارع المقدسي بالقوة، وأخرى استخدام السياسة الناعمة والتسهيلات وتقديم الخدمات، وهو يرى بأن الرؤيتين مكملتين لبعضهما البعض، أي أنه لا يريد أن يتهاون مع الهبات الشعبية بطريقة سلمية بحتة بل يوفق بين الرؤيتين، علمًا بأن رغم فترات الهدوء التي مرت على المدينة، نراه بأنه يصعد من خلال الهدم وسحب الإقامات بحجج واهية يستخدم القانون الاستعماري لتبريرها.

فتبين الصحفية المقدسية هنادي القواسمي في مقال تحت عنوان ” سياسات الضبط الناعمة .. سعي إسرائيلي لاحتواء غضب القدس”، أن الاحتلال عمل على استمالة المقدسيين وكسب أفئدتهم وعقولهم تدريجياً حتى تصبح مؤسسات الاحتلال المختلفة هي عنوانهم الأول. فالمقدسيون وحيدون في الميدان، لا يملكون بين أيديهم رؤية تنموية مستقلة عن أجهزة السلطة الاستعمارية “الإسرائيلية”، ولا تقدم لهم الحركة الوطنية الفلسطينية أي رؤية أو سياسة مجتمعة تحريرية جادّة تغنيهم عن الارتباط بمؤسسات الاحتلال.

وتضيف ” بينما تستغل بلدية الاحتلال هذا الأمر، فتطرح نفسها الحضن الوحيد الذي يمكن أن يضمن للمقدسيين “النجاح والتقدم في حياتهم”. يرتبط تعريف هذا “النجاح” بنزع التسييس من خطاب المقدسيين وتحويله إلى خطاب حقوقي بحت، لا يسعى إلى التحرر من الاستعمار بدرجة أولى، وإنما يسعى في حدّه الأعلى إلى تحسين ظروف الحياة المعيشية من صحة وتعليم وفرص عمل وغيرها”.

وتوضح أن الاحتلال سعى لترسيخ هذه المفاهيم من خلال إيجاد مؤسسات كالمراكز الجماهيرية، والتجار والمخاتير، الذي أصبحوا يروجون لسياسة الاحتلال، وأنهم انتقلوا من مرحلة المطالبة بالتحرر إلى المطالبة بتحسين الظروف المعيشية والتسهيلات، لكي تصبح المواجهة داخلية، أي أنهم ينبذون العنف الثوري، متخوفين من عودة آلة البطش والخناق الذي يمارسه الاحتلال، حتى في وقت الهدوء، ولكن يتخيل الجمهور أن الهدوء فعلا جلب لهم تسهيلات، ولكنهم لا ينظروا بأن التهويد والهدم والقتل والإغلاق والاقتحامات مستمرة.

عودةً لطبيعة شغل هذه المراكز والشخصيات والمؤسسات، وخصوصًا بأن هؤلاء كما يبينهم فرانز فانون في كتابه “معذبو الأرض” فيقول “إنهم أناسًا مشاهدين يسحقهم أنهم ليس لهم ماهية، فيأتي الاستعمار فيحولهم أناساً فاعلين مميزين”.

و نتناول المراكز الجماهيرية التي أصبحت منتشر في القدس وضواحيها، معرفين على طبيعة عملها الوسيط التطبيعي بين بلدية الاحتلال والمقدسيين.

تعتبر هذه المراكز مؤسسات تمثل المقدسيين أمام قوى ومراكز الاحتلال، ألا هو بلدية الاحتلال في القدس التي تتبع لها بشكل مباشر، التي أصبحت تقوم بعمل البلدية، و تتوزع أنشاطاتها بحسب الهيئة الإدارية والميزانيات ومكان الذي تتواجد فيه، وتقوم بعقد النشاطات من دورات ودروس تقوية وصولاً إلى متابعة شؤون البنية التحتية في الحيّ من شوارع ورخص بناء، بل تدفع إلى تعزيز سلطة الخدمة المدنية ربما تساهم بتجنيد المقدسيين في مؤسسات الاحتلال.

تنتشر هذه المراكز في القدس في 9 أماكن في كل من (صور باهر، البلدة القديمة، الطور، العيسوية، بيت صفافا، بيت حنينا، وادي الجوز، ضواحي القدس ويشمل أحياء ما وراء الجدار)، وتوضح الصحفية هنادي القواسمي أن هنالك مدير تولى منصبه في عام 2015، بين جهوده في خدمة الاحتلال تقول: ” عمل حثيثاً لإثبات “صدقه” ونواياه أمام الاحتلال، ولا يخجل من القول بأنه يريد منع الشبان من إلقاء الحجارة، وطريقته في ذلك أن “يصطحبهم إلى مركز التوقيف الإسرائيلي ليروا نهايتهم في حال سلكوا هذا الطريق”. ويفخر – بلا خجل – بأن بلدية الاحتلال وجدت فيه “مديراً حكيماً وجيداً يعرف كيف يطالب بحقوقه ويخدم أبناء بلده”.

وأشبه ما تكون هذه المراكز سلطة خدماتية قيدتها سلطات الاحتلال بمهام، من أجل إخضاع المقدسيين واستمالتهم، ومنع أي فعل مقاوم، خوفًا على التسهيلات الكاذبة التي تدعي بلدية الاحتلال بتقديمها.

وحول موقف القوى الوطنية والإسلامية في القدس من هذه المراكز، صدر بيان بتاريخ 25/7/2018، رفض التعامل ونبذ هذه المراكز.

فأوضح البيان، “إن هذه المراكز تتبع للاحتلال من أجل التواصل مع القرى، أو مراكز معتمدة من قبل البلدية، وتقوم البلدية بتعيين موظفين ومدير من العرب على كل مركز، وكل أنشطة هذه المراكز تكون ممولة من بلدية القدس”.

وأضافت القوى “إن هذه “المراكز الجماهيرية” المأجورة ما هي إلا شكل ناعم من أشكال الاحتلال وسياساته في مدينة القدس، حيث لا يعقل أن من يعطي أوامر بالهدم وملاحقة أهلنا وشعبنا في المدينة، أن يكون حريصًا على أبنائنا وبناتنا، فلا فرق بين جرافة تقوم بالهدم، ومركز تؤسسه وتدعمه تلك الجهة”

مُشددّة على ضرورة المقاطعة الشعبية والوطنية لكل من يروج ويعمل في هذه المراكز المأجورة.

” لا بد لكل جيل أن ينتشل رسالته من وسط الظلام، فإما أن يحققها وإما أن يخونها” كما يقول فرانز فانون، في كتابه معذبو الأرض، فاليوم لا يوجد فرق بين المطبع والخائن، وأن التعريف الرسمي للتطبيع هو الخيانة، إذا أردنا أن نضع المسميات في مكانها، وأي انجرار حول الوضع الاستهلاكي والتسهيلات المغموسة بدماء الشهداء، الذي يستخدمه الاحتلال لمحاصرة الفلسطيني، و وهم الهدوء ووهم الرأسمالية الكاذبة هي الحرية، هو إنجاز بائس يقتل القيمة الثورية وعدالة القضية الفلسطينية.

والتساؤل اليوم بعد حالة التشظي الذي تعيشه القضية الفلسطينية، وترهل المرجعيات بأشكالها، وهجمة ” الأسرلة والتهويد” في القدس، إلى متى ستبقى القدس والقضية الفلسطينية مرتهنة بيد مؤسسات وشخصيات تعمل كأيدي عاملة تحت الاحتلال، وتنفذ مشاريعه؟

أليس من الأجدر بالشعب الأصلاني أن يلتزم بضميره المقاوم والرافض لكل من يساهم بفتح الطريق أمام الاحتلال، يل فضحه وتعريته حتى يتراجع ؟!

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى