مدوّنات

عن الوعي والثورة!

1. في سجن المخابرات الفلسطينية العامّة في أريحا، سنة 1999، كنّا معتقلين إلى جانب عشرين أو ثلاثين من السجناء . بعض هؤلاء كان معتقلا بتهم جنائية، والبعض الآخر بتهم العمالة.
كان هنالك سجين وحيد سمعنا عنه، ولم نتمكن من رؤيته. أظن أنه قد كان من منطقة نابلس. كان سجينا بلا إسم، أو هكذا خيّل إلينا.

ذات سهرة، جاء أحد السجّانين وتربّع إلى جانب باب الزنزانة، وكان من الواضح أنه يشعر بالملل. تجاذبنا أطراف الحديث، سألته عن السجين المجهول، فاكتفى بالقول بأنه “عز الدين القسام”… بمعنى أنه يتبع لكتائب العز. بأنّه قسّامي. هكذا بلا خجل، بلا بلاغة، بإهمال شديد يقول لي، بعثرة لسان: إنهم يعتقلون عز الدين القسّام، في سجون أوسلو.
هكذا كانوا يعتقلون البشر: كل من هو “عز الدين القسّام” معرض للاغتيال وللملاحقة.

لكنهم لم يفهموا أبدا أن عز الدين القسام لا يموت ولا يُعتقل. وبأنه، منذ لحظة الاشتباك القدري التي خاضها مع الإنجليز، في حرش يعبد، قد صار عصيّا على الحبس. بأنه قد سرى في النسغ، فكرة، لا تُسقَط من قوائم الاغتيال لأنها لا تَسقُط بالموت.

كم مرة شُبِّه لهم أنهم قد قتلوه؟ كم مرة حاصروه بالوشاية وحاصروه بقذائف اللاو، كم مرة ثقبوا جسده (عدّوا في جسد ياسر النمروطي أربعمائة رصاصة) وأرسلوا الكلاب لكي تشم جسده بحثا عن كمين في الجسد؟ كم طلعة أباتشي وإف ستة عشر؟ كم صورة التقطتها الأقمار الصناعية بحثا عن وجهه الخفي؟

لكنّهم لا يفهمون: يلبس العزّ البشر، كما يمس الجنّ الإنس، فيسطعون، فيسقطون أمام الرصاص، أو يغيّبون في السجون، ويواصل سريانه في النسغ. ويتوهّج. ولا يموت.

2. المعركة الأخيرة (الأخيرة؟).. اقتباس:
“كان يوم أربعاء، وكنت أقف خفيراً في طرف حرش يعبد قرب خربة الشيخ زيد والطرم، ورفاقي داخل الغابة: الشيخ عز الدين وعصبته. ومع طلوع الشمس رأيت رجال البوليس يهجمون علينا، وهم على ظهور الخيل، ويتصايحون:”عليهم عليهم”، فأوعزت إلى رفاقي بأن يتوزعوا ويأخذوا أماكنهم … وبدأتُ أطلق الرصاص، فجعلوا يتركون الخيل ويأخذون مواقع لهم على بطونهم خلف الحجارة والرجوم من أكوام الحجارة. وابتدأت المعركة غير متكافئة … نحن تسعة، وهم يتوافدون عشراتٍ عشراتٍ إلى أن اكتمل عددهم، من مئتين إلى أربعمئة، ومعظمهم يحمل شارة بندقيتين على ذراعه، وهذا يعني أنه قنّاصٌ لا يخطئ. مكثتُ مدةً تزيد على عشرين دقيقة وأنا أطلق الرصاص واقفاً، لا يحجبني عنهم حجرٌ أو شجر، والمسافة بيني وبينهم لا تزيد عن خمسين متراً … وأخيراً انتبه الشيخ رحمه الله، وصاح بأعلى صوته:” خذ الأرض، لن تموت شهيداً إذا مت على هذه الحال، أنت منتحر إذا لم تأخذ الأرض” … تلقينا أمراً بالانسحاب، والتوغل داخل الغابة، وجُرح الشيخ أسعد المفلح من أم الفحم، وحاولت حمله، فناداني الشيخ: “اتركه واعتنِ بنفسك” … وفي داخل الغابة وجدنا صخوراً تصلح للتمترس بها … ضيقوا علينا الخناق، وأحكموا نطاق الطوق إلا من جهة واحدة، جهة الشمال، وكانت مكشوفة، والانسحاب منها معروفة نتائجه، فقررنا المقاومة حتى مجيء الظلام. [https://goo.gl/Pc63dv]

3. . لكن: كيف صار الشيخ محمد عز الدين القسام، الآتي من جبلّة قادرا على هزيمة الموت؟
بالوعي!
في 29 أيلول 1911، اجتاحت الجيوش الإيطالية ليبيا. كانت تلك حربا بين الإمبراطورية العثمانية وإيطاليا.
في 23 تشرين أول 1911، طار الكابتن كارلو بياچا، الإيطالي، فوق خطوط الجيش العثماني، كانت تلك خطّة محكمة ولم يعهدها البشر قبلا: إلقاء القنابل على جيوش العدوّ من عل، وهكذا، جرى تنفيذ أوّل عملية قصف جوّي في تاريخ البشرية. هنا، في هذه النقطة، تبدأ أيضا قصّة المطاردة العبثية بين الطائرة والشبح.
تمكن الطليان من هزيمة العثمانيين. وهزّت أخبار الهزيمة العالم الإسلامي.
وقعت الهزيمة في منتصف تشرين أول. في تشرين ثاني كان محمد العزّ- القسّام، الذي كان في جبلّة، قد أطلق حملة تبرّعات من أجل ليبيا (ولو كان لديه فيسبوك لأطلق هاشتاغا تحت عنوان #من_سوريا_الكبرى_هنا_ليبيا). بل إن الشيخ قد ألّف أرجوزة موثّقة تقول:
يا رحيم، يا رحمن
أنصر مولانا السلطان
واكسر أعدانا الطليان

يا رحيم، يا رحمن
أنصر مولانا السلطان
غرّق أسطول الطليان
[المرجع: https://goo.gl/gDv9DR]

هنا.. في هذه النقطة، انتهت إلى غير رجعة أسطورة “الشعب والجيش إيد وحدة”.. “إنهاء الإنقسام”… “وحدة الدم ووحدة المصير” وغيرها من قصص الكرتون المسلّية، وإليكم التفصيل:

لم تكن التبرعات مخصصة لشراء لصقات جروح ولا دمى للأطفال اللاجئين، ولا مصّاصات للكبار لكي يحتملوا مرارة اللجوء. بل لدفع المعونات الشهرية لعائلات 250 متطوعا سوريا شابّا، حملوا السلاح قبل كانون أول من ذلك العام ورافقوا الشيخ القسام إلى إسكندرونة، لكي يبحروا من هنالك نحو ليبيا. ثلاثة شهور فقط (بلا فيسبوك ولا جزيرة) استغرقت الأزهري السوري الشاب، ليجنّد فيلقا من المتطوعين، ويرسلهم إلى خارج الجغرافيا المألوفة، وخارج الوعي المألوف، وخارج نطاق الأعداء المألوفين. وأن يقنعهم بأنهم، بائتلافهم مع السلطان ضد الطليان، (في برقة) إنما يدافعون عن أنفسهم وأزواجهم وأولادهم. (في جبلّة، وبلا هاشتاغ أيضا)

لكن حكومة السلطان، السلطة يعني.. أعادت هؤلاء على أعقابهم، بعد ورود تقارير (هي تقارير.. هي تقارير دائما) تشي بأن عز القسّام يتطاول على المقامات العليا (هي مقامات.. هي مقامات عليا دائما) في تركيا. وهكذا، انكفأ المتطوعون عائدين إلى قراهم.

كانت تلك الحادثة، حادثة احتكاك الحجر بالحجر، والدمّ بالرحى، والجبين بالجدار. هي النقطة التي يمكن القول أن التاريخ قد انشطر،عندها في الوعي: من يزرعون التفّاح، في اسطنبول وفي رام الله، وفي دمشق أيضا، لن يكون بوسعهم الدفاع عن الأرض، والتصدي للطليان، وللانجليز، وللفرنسيين وللأمريكان، وللصهاينة، ولن يكون بوسعهم، لتغطية عجزهم سوى أن يحاصروا عز القسام.. معبر رفح؟ تل الزعتر؟ الغوطة الشرقية؟ أيلول الأسود ؟ كل هذه تمظهرات.. مجرد أسماء حركية: الصراع بيّن: هُم الطائرة.. هُم التقرير وهُم الوشاية.. هم قذائف الإنيرجا. هُم خطة “طنجرة الضغط” [https://goo.gl/Jk1g6C].

ونحن كلّنا نمشي في الشوارع، ونتراكض بين أروقة المحاضرات، في الظلام، وننسحق تحت وطأة العمل. وكلنا ننتظر أن يمسّنا البرق السنيّ. أن يضيؤنا العزّ بلمسة منه. أن يصير وجهنا ونصير وجهه. أن يلتبسنا الشيخ ويورق في شراييننا. فنصبح غير ذلك.

عاشت ذكرى انبثاث الشيخ محمد عز الدين القسام. والخزي والعار لمن باعوه، ولمن يسجنونه ولمن يطاردونه في كل أرجاء هذا الوطن العربي

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى