تقارير وملفات خاصة

في الخليل… عندما تتحول الحارة إلى سجن

الخليل المحتلة- خاص قدس الإخبارية: ينتشر خبر اعتقال أحد الأطفال سريعاً، لتبدأ النسوة في حارة غيث والسلايمة بخوض المعركة اليومية المتمثلة بانتزاع الطفل المعتقل من بين أيدي جنود الاحتلال، معركة باتت من تفاصيل الحياة اليومية للحارة التي تحولت في الأعوام الأخيرة إلى سجن، الخروج منها والدخول إليها ليس عادياً.

حارة غيث والسلايمة تحتل موقعاً استراتيجياً بمحاذاة المسجد الإبراهيمي وسط مدينة الخليل، لا تشبه أي حي حول العالم، ولا يصفها سكانها إلا بالسجن، وصولك إليها يعني أنه عليك المرور عن واحد من ثلاثة حواجز عسكرية ثابتة يديرها جيش الاحتلال، وإذا سُمح لك بالعبور، فانت معرض أن تتوقف على واحدة من النقاط العسكرية، ويتم تفتيشك وإخضاعك للتحقيق، وقد يتكرر ذات الأمر معك كلما مشيت 200 مترٍ.

أما دخول حارة غيث والسلايمة، فلا يكون إلا من خلال بوابة عسكرية يفتحها جيش الاحتلال ما بين الساعة 7-8 صباحاً ويغلقها الساعة العاشرة مساءً، محاصِراً 77 عائلة فلسطينية تسكن في منازل قديمة متلاصقة في مساحة لا تتجاوز 700 مترٍ، محاطة بجدار وسياج وبوابة إلكترونية، وفي كل مكان زرع جيش الاحتلال كاميرات المراقبة.

لا طفولة في حارة غيث

لأول مرة منذ عدة شهور، تلعب الطفلة جنى عطا غيث (8 سنوات) وصديقاتها أمام منازلهم في الحارة التي لم تعد آمنة، واللعب فيها له ثمن يدفعه أطفال الحي الذين يبلغ عددهم 217 طفلًا، إما بالاحتجاز لساعات طويلة أو الاختناق بالغاز.

بين المنازل تتسابق جنى وصديقاتها أمام ناظري أمهاتهن، اللواتي “يندهن” عليهن بين الفينة والأخرى للتأكد أن طفلاتهن ما زلن بخير وبمكان قريب، أما الطفلات فلا يلعبن إلا ما يشاهدن، اللعبة الفلسطينية الشعبية – الجيش والعرب – جزء منهن يأخذ دور الجيش الذي يلاحِق بالبنادق، وجزء يأخذ دور الأهالي الذين يحاولون الدفاع عن أرضهم واستعادتها.

وكما اللعب، الذهاب إلى المدرسة بات صعباً وخطيراً، فجيش الاحتلال يتعمد أن يتأخر بفتح البوابة صباحاً ما يعرقل ذهاب الأطفال إلى المدرسة، ويدفعهم إلى دائرة الاحتكاك المباشر مع الجنود الذين يتواجدون في المنطقة، ويتعمدون إخضاع الأطفال للتحقيق الميداني ويفتشون حقائبهم المدرسية.

جنى تدرس في مدرسة الفيحاء التي تبعد 500 متراً عن الحي، تقول، “المدرسة قريبة جداً إلا أننا نتأخر بالوصول إليها في كل مرة، فجيش الاحتلال يرفض فتح البوابة، ويطلب منا العودة إلى المنازل بعد أن يرفع الجنود البنادق ويوجهونها صوبنا”.

لا تتوقف جنى ذات العيون السوداء والرموش الكثيفة، والجسد النحيل، عن الحديث عما تمر به وعائلتها من اعتداءات مستمرة، جلّ لعبها وأحاديثها يدور حول جيش الاحتلال واعتداءاته وضربه وملاحقته للأطفال، فتروي القصة تلو الأخرى، ويبدأ التوتر والخوف بالظهور على ملامح وجهها.

تقول، “اقتحموا منزلنا عدة مرات وفتشوه وحطموا الأثاث.. كانوا يصرخون بأصوات مخيفة وعالية ويتلفظون بكلمات بذيئة. اعتقلوا في إحدى المرات أختي شهيرة 14 عاما وأخي باسل لعدة ساعات… كنت خائفة كثيراً، وأشعر دائما بالخوف أن يعتقلوني أنا أيضا”.

إلى لعبة جنى، انضمت أيضا ميار نادر الرجبي (7سنوات) ولميس الرازي (12عاماً)، “كأننا نعيش في سجن، ممنوع أن نلعب في الخارج.. حياتنا معقدة وصعبة، لا نشعر بالفرح ودائما نشعر بالخوف أن يطلق الجيش الإسرائيلي علينا النار”، تقول ميار التي تعرضت لتفتيش حقيبتها المدرسية مرتين حتى الآن، رغم أنها لا تذهب وحدها إلى مدرستها القريبة إلا برفقة والديها، خوفاً من المستوطنين الذين يسكنون المنطقة.

“أخاف من مصاص الدماء هو دائمًا يلحقنا بالسيارة ويحاول دهسنا”، تصف ميار أحد المستوطنين الذين يلاحقون أطفال الحي ويعتدون عليهم، وقد سجلت عدة أحداث دهس ارتكبها المستوطنون بحق الأطفال الفلسطينيين الذين يسكنون في حارة غيث.

فور وصولنا حارة غيث، أكثر من عشرة من جنود الاحتلال كانوا يتواجدون أمام الحي وقد اعتقلوا فتيين اثنين، فيما كانت أمهاتهم تحاول استعادتهما، وقد تزامن ذلك مع عودة الأطفال من المدارس. وبعد ساعتين من الخوف والتوتر الذي ساد الحي، أخلى جيش الاحتلال سبيل الفتيين عبد غيث ومحمد غالب الرجبي وكليهما (17 عاماً) بعد أن أخضعهما لتحقيق اتهمها خلاله أنهما ألقيا الحجارة.

محمد الرجبي  يقول، “الحارة محاصرة بكاميرات المراقبة من كل مكان، ولو كان هناك إلقاء حجارة لاستطاعوا تحديد المنفذ من خلالها واعتقاله.. إلا أنهم يعتقلونا دائما بهدف تخويفنا والتنكيل بينا، ولم يكن هناك أي إلقاء للحجارة، كل ما في الأمر أننا كنا نجلس على سطح منزلنا، وذلك يزعج الجنود ويخيفهم”.

في كل مرة يحتجز جيش الاحتلال محمد يتذكر عندما احتجز لأول وكان عمره حينها 11 عامًا، “لا يمر يومٌ دون أن يحتجزوني ويحققوا معي ميدانياً، فيما لا يمر أسبوعين حتى يتم استدعائي للتحقيق في مركز جعبرة الإسرائيلي”.

القنابل وسط البيوت 

منذ شهرين يصعّد جيش الاحتلال اعتداءاته على أهالي حارة غيث، بضرب القنابل الغازية والصوتية في ساعات المساء بشكل مباشر بين المنازل، ويتخوف الأهالي من أن تكون هذه الاعتداءات مقدمة لطردهم من المنطقة.

وسام أبو رميلة (45 عاماً) أب لسبعة أبناء، يروي أن جيش الاحتلال اقتحم منزله قبل عدة أيام، وألقى خلال اقتحامه القنابل الصوتية داخله ما أدى لإصابة أطفال بحالة من الرعب والخوف، فيما هدّد ما حصل بتراجع وضعه الصحي، وخاصة أنه كان عائداً منذ ساعات من المشفى حيث خضع لعملية قسطرة، “أصبح الجنود يلقون القنابل الغازية داخل المنازل أيضا ولم يعودوا يكتفون بالقنابل الصوتية.. وعندما تنفجر قنبلة غازية داخل أحد منازل الحي، فيجبر أصحاب المنزل على البقاء خارجه أكثر من خمسة ساعات حتى ينتهي مفعول القنبلة”.

ويبين وسام أنّه يعيش في كل لحظة الخوف والقلق على أطفاله، فلا أمان لهم داخل المنزل أو خارجه، “أطفالي يمرون يومياً عن عدة حواجز ونقاط عسكرية، ويتم إخضاعهم للتفتيش والاحتجاز.. أخاف عليهم كثيراً، ولا أتوقف عن التفكير أنه قد يتعرضون لإطلاق نار من قبل جيش الاحتلال”، مبيناً أن حالة من الرعب الشديد أصابت أطفاله عندما شاهدوا إطلاق النار على الشاب عبد الله العجلوني ما أدى لاستشهاده في آذار 2016، وما زال أطفاله متأثرين بهذا المشهد ولا يتوقفون عن الحديث عنه.

ورغم أن ذهاب أطفال حارة غيث إلى المدرسة باتت مغامرة خطيرة بحد ذاتها، إلا أن أهاليهم يصرون على مواصلة تعليمهم، يعلّق وسام، “يخاف أطفالي كثيراً كما باقي أطفال حارة غيث، ما يعيشونه يومياً لا يستطيعون التأقلم معه كشيء طبيعي، هو حقيقة من الرعب متمثلة أمامهم.. إلا أننا لن نتخلى عن حقهم بالوصول إلى مدارسهم ومواصلة تعليمهم”.

الكاميرا.. سلاح  لأهالي الحارة 

الناشط رائد أبو رميلة، أحد سكان الحي، يحمل كاميرته على كتفه طوال الوقت محاولا توثيق أي انتهاك أو اعتداء يرتكبه جيش الاحتلال بحق أهالي حارة غيث، إلا أن ذلك يعرضه كل مرة للاحتجاز لساعات وإجباره على حذف المواد المصورة، وهو ما تكرّر معه عندما حاول توثيق اعتقال الفتيين محمد وعبد، “هددني الضابط بالاعتقال إذا استمررت بالتصوير، وهو ما يحدث معي في كل مرة”، يقول رائد.

ارتفاع اعتداءات جيش الاحتلال على أهالي البلدة القديمة في الخليل منذ عام 2015، وذلك بقتل الفلسطينيين على الحواجز التي ينشرها، دفع رائد لتكثيف نشاطه في المنطقة، وخاصة في حارة غيث، يقول رائد، “الاحتلال ينشر 10 حواجز عسكرية في كيلو متر واحد، بينها ثلاثة تحولت إلى معابر عسكرية، فيما يتواجد في البلدة القديمة ثلاث وحدات من جيش الاحتلال، وهم “وحدة غولاني ووحدة حرس الحدود، ووحدة جفعاتي”.

ويبيّن رائد أن أعداد المستوطنين الذين باتوا يسكنون المنطقة تضاعفت بعد استيلائهم على خمسة منازل فلسطينية، وأصبحوا يكثّفون اعتداءاتهم على المنازل الفلسطينية، ويحاولون باستمرار اقتحام المدرسة الإبراهيمية ومدرسة الفيحاء، ويلاحقون الأطفال ويعتدون عليهم، كما أنهم دهسوا عدة أطفال بشكل متعمد، ما أدى لإصابتهم بجروح، “روضة السرايا التي توجد في الحي يجب أن يكون فيها 50-60 طفلاً، إلا أنه لا يوجد فيها إلا 12 طفلاً، وذلك بسبب اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين المتكررة، وهو الذي يسبب الخوف للأطفال وأهاليهم الذين باتوا يفضلون أن يبقى أطفالهم في المنزل”.

وسط حارة غيث، يعلّق الأهالي مجموعة من القنابل الغازية لتبقى شاهدة للزوار عما يتعرضون له من اعتداءات يومية، يقول رائد، “جيش الاحتلال يطلق مجموعة من القنابل الغازية بين منازل الحي المتلاصقة ما يؤدي في كل مرة لإصابة الأهالي بالاختناق وتحويلهم إلى المشافي.. يكون الوضع هادئ جداً إلا أنهم يدّعون أنه تم إلقاء الحجارة صوبهم، فيبدؤون بإطلاق القنابل الغاز والصوت واقتحام المنازل”.

IMG_0314

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى