تقارير وملفات خاصة

الشهيد عثمان لدادوة… مقاومٌ ثابتٌ لم تكسره الاعتقالات

رام الله المحتلة – خاص قدس الإخبارية: ثابتة عيونه نحو السماء، صامتاً، هادئاً كان، بينما ما تزال أصوات الرصاص والقنابل تعلو، الكل يركض، وما زال عثمان مكانه مستلقياً، ربما يتذكر مقولته التي يرددها دوماً، “الشهادة لحظةٌ لا ألم فيها”.

بين الجموع المنتفضة كان عثمان لدادوة يطارد جنود الاحتلال خلال مواجهات في منطقة نعلان في قرية المزرعة القبلية غرب رام الله، وبينما ما زال الجنود محاصرين بالحجارة الغاضبة، يطل أحدهم برشاشه ويفرغه بالمتظاهرين، يصاب 15 منهم بالرصاص المتفجر وشظاياه، أحدهم عثمان الذي لن ينهض من مكانه، وبقى ساكناً، “استشهد عثمان بين يدي خلال نقله إلى المشفى، وذلك بعد ربع ساعة من إصابته”، يعلق وسيم لدادوة، شقيق عثمان.

وسيم أحد مسؤولي الإسعاف المتواجدين بشكل دائم في مواجهات المزرعة القبلية، لم يتوقع أن يقف عاجزاً أمام إنقاذ حياة شقيقه، فركض نحوه فور سقوطه محاولاً إسعافه، يروى لـ”قدس الإخبارية“، “حاولت إسعافه في الموقع مباشرة بعد إصابته.. وتوقعنا أنه يعاني من الاختناق وخاصة أنه لم ينزف أي دماء ثم نقلناه إلى المركز الصحي في القرية إلا أنه لم يستجب لمحاولات الإنعاش، وفي طريقنا إلى المشفى استشهد عثمان”.


عثمان أصيب برصاصة من النوع المتفجر اخترقت فخده الأيسر وقد تسببت بكسر في الحوض وأصابت الطحال والكبد والرئتين ما تسبب لديه بنزيف داخلي، فارق إثره الحياة، ويشير شقيقه وسيم إلى أنه بعد نصف ساعة من إعلان استشهاده تمكنت الطواقم الطبية من معرفة مدخل الرصاصة، في محاولة لمعرفة سبب استشهاده.

عثمان الذي لم يغب عن خط النار

عصر26 تشرين أول 2018، وكما كل يوم جمعة، استعد عثمان لدادوة للذهاب إلى منطقة نعلان – حيث تندلع مواجهات أسبوعية مع قوات الاحتلال والمستوطنين-  فيما وقفت زوجته مها رمانة (33عاماً) تحاول أن تقنعه بالعدول عن رأيه هذا اليوم والبقاء برفقة أطفاله، إلا أنه أصرّ على الاستمرار برباطه الأسبوعي، وكرّر مجدداً ما يقول في كل يوم جمعة: “الإنسان يموت مرة واحدة.. ومن يرفض أن يموت شهيداً؟”.

فمنذ 11 شهراً يواصل أهالي قرية المزرعة القبلية والقرى المجاورة التصدي لقرار مصادرة خمسة آلاف دونم في جبل نعلان وذلك لصالح توسيع مستوطنة “كارم عريم” وربطها بالمستوطنات الأخرى، ليبدأ مخطط الاحتلال بنصب الكرفانات فيها ودفع تعزيزاته العسكرية إلى المنطقة لحماية التواجد الاستيطاني، فيما كان ردّ الأهالي الاستمرار بالتوافد إلى أراضيهم التي قرروا تحويل جزءاً منها إلى متنزه، والتصدي الشعبي لأي اعتداء قد تتعرض له المنطقة.

تروي زوجته مها لـ”قدس الإخبارية“، “في كل يوم جمعة كان يكرر كلامه ذاته عن أمنيته بنيل الشهادة إلا أنني لم أخذها على محمل الجد.. لم يغب عثمان يوماً عن المواجهات التي تندلع في نعلان منذ بداية عام 2018، كان يذهب هناك بشكل مستمر ويشارك بالتصدي للمستوطنين وجنود الاحتلال”.

عثمان الأخ بين تسعة أشقاء اعتادوا أن يجتمعوا بعد صلاة الجمعة في منزل العائلة، حيث كان لقائه الأخير بعائلته، يروي شقيقه أسامة، “حاولت إقناعه بعدم الذهاب هذا اليوم، إلا أنه أصر على الذهاب وكرر أنه من الواجب عليه التواجد والتصدي لاقتحامات المنطقة من قبل جيش الاحتلال والمستوطنين”.

يضيف أسامة لـ”قدس الإخبارية“، “كان يكرر لنا دائما سؤاله: لماذا تخافون من الشهادة؟ الموت يشبه المصعد، بعد أن تركبه تضغط على الزر، وما هي لحظات حتى تصبح في السماء، الموت لا يؤلم، هو مجرد لحظة صغيرة تنتهي سريعاً”.

عثمان سيعود قريباً!

عثمان حرص دومًا على المشاركة بتشييع جنازات الشهداء، وعندما لا يتمكن من حضورها كان يتابعها بشغف ويحاول الوصول لكل فيديو يوثق التشييع، ويكرر مخاطباً الشهيد: “يا ليتني أنال ما نلت”، تضيف مها، “نال عثمان ما تمناه، وأنا سعيدة اليوم أنه راضٍ بحصوله على ما طلب.. ودموعي هذه هي دموع الحزن والاشتياق له، فالفراق صعب ولن يعوض غيابه أحد بعد الآن”.

رغم خوف مها المستمر على زوجها عثمان، إلا أنها لم تتوقع أن تتحول هذه المخاوف إلى حقيقة، “استيقظت عليه عدة مرات في الليل وكان يقرأ القرآن وهو نائم، كان يقرأ بالتحديد سورة الواقعة، حينها شعرت بالخوف الحقيقي عليه، شعرت أنّه ربما يمسه شيء”، وتشير مها إلى أن زوجها كان يسعى لحفظ القرآن كاملاً خلال فصل الشتاء، “قال لي إنه عليّ أن أحفظه القرآن وأسمعه له، تماما كما أدرس أطفالنا وأسمع لهم دروسهم”.

رحل عثمان تاركاً خلفه أطفاله الأربعة لا يتجاوز أكبرهم 11 عاماً – ميسم، سيلا، أدهم، وأحمد- وقد كان يستعد لاستقبال طفله الجديد الذي كان سيسميه محمد، تقول مها، “بعد استشهاد عثمان، قررت أن أسمي طفلنا الجديد باسم والده الشهيد.. الاحتلال خطف زوجي مني بلمح البصر، ولكني سأعيده إلى البيت مجدداً، وسيبقى اسمه بيننا حاضراً طوال الوقت”.

أطفال عثمان الأربعة، ما زالوا يبحثون عن والدهم، ينتظرون عودته في أية لحظة، ويتساءلون عن سبب غيابه الذي طال، فيما يكرر طفله الأصغر أحمد – ثلاث سنوات – لوالدته، “أخبريني أين يعمل بابا، أريد أن اذهب إليه”، تقول مها، “كان عثمان متعلقاً بأطفاله كثيراً، عاش معهم عشر سنوات حاول خلالها أن يعطيهم فيها كل الحب والحنان.. لم يكن ينام حتى يتفقد الأطفال، إذ عاد من العمل وكانوا نائمين كان يوقظهم ليلاعبهم ويتحدث إليهم”.

عثمان الحائز على الحزام الأسود في رياضة الكاراتيه، والمعتاد منذ شهور على ممارسة كمال الأجسام، كان يدرب أطفاله صباحاً ومساءً كما كان يضم زوجته مها للعب معهم، تروي طفلته ميسم لـ”قدس الإخبارية“: “كان بابا يلاعبنا رياضة كل صباح قبل المدرسة، وقبل أن نذهب للنوم مساءً.. كنا نضحك كثيراً”.

عثمان يعود بأحلام طفلته

“كان يحمل كعكة كبيرة في متنزه كله أشجار وورود” تصف ميسم (11عاماً) كيف رأت والدها في حلمها بعد يوم من وقوفها على قبره وتوسلها له: “يلا بابا ارجعلنا.. اشتقنالك”.

فأمام جثمان والدها عثمان لدادوة الممدد أمامها وقفت ميسم في 27تشرين أول 2018، رافضة الاقتراب أكثر منه وهي التي كانت تركض إليه وترمي نفسها نحوه ليلتقطها بيديه ويدور بها دورتين قبل أن يرميها مجدداً في الهواء ويعاود التقاطها.

وبينما ترتفع الدعوات حولها، “ودعيه يا ميسم.. اقتربي وقبليه”، ما زالت الطفلة ترجع بخطواتها إلى الوراء وترفض الاقتراب، وما هي لحظات حتى تمتد الأيادي وتنتشل والدها من بين القبلات الكثيرة، ليخرج من منزله الذي لن يعود إليه بعد الأن، فيما ستبقى فكرة رحيله الأبدي أكبر من أن تستوعبها طفلته المدللة التي ستزوره بعد يومين برفقة صديقاتها، فضولاً لرؤية منزل والدها الذي لم تعد تراه إلا بأحلامها، “حلمت أنه يحمل قرآن يحتوي الكثير من الأسماء وعليه رقم 950”.

مقاوم لم تكسره الاعتقالات

وإن كانت المرة الأخيرة والأبدية التي يحرم عثمان من أطفاله، إلا أنه سبق أن حرم منهم بالاعتقالات المتكررة التي تعرض لها مرة من الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومرة من الاحتلال، على خلفية عمله المقاوم وانتمائه السياسي، تعلق زوجته، “لم يمض على زواجنا خمسة شهور حتى اعتقل جهاز الأمن الوقائي عثمان وقد قضى حينها ثلاثة شهور، كنت حينها حامل بطفلتي البكر ميسم”.

وبعد ولادة ميسم بعدة شهور، اعتقل الاحتلال عثمان وقد أصدر حكماً بحقه بالاعتقال عامين ونصف، “ميسم حرمت من والدها وهي طفلة، والآن حرمت منه للأبد.. خلال اعتقاله كانت تعتقد أن عمها هو والدها وكانت تناديه “بابا”.. وعندما كانت تنام كانت تضع صورة والدها بجانبها وتغطيها”.

تتلفت مها باحثة عن أبنائها الأربعة، حريصة كل الحرص ألا يغيب أحدهم عن ناظريها، “كنت أحلم وعثمان أن نراهم يكبرون ويتعلمون، كنا نخطط سوياً لهم الكثير الكثير.. لن أخيب آمال عثمان سأكمل الآن الطريق وسأجعل من أطفالنا نموذجًا للآخرين”.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى