تقارير وملفات خاصة

أيهم صبّاح.. صوت يعيدك لمجد المقاوم المثقف

رام الله – خاص قدس الإخبارية: ملامح طفولة ترتسم على وجهه، جسدٌ نحيل تظن أنه لا يتحمل نسمات الرياح القوية، في عُمر الزهور المتفتحة، بعقل رجلٍ مثقف واع وأكثر، بفكر قارئ مُطالع، الأسير الشبل أيهم باسم صباح، 16 عامًا، من قرية قفين قضاء طولكرم، سكان مدينة بيتونيا في رام الله، ولِد بتاريخ 10-5-2001 في عمان حيث تقطن عائلة أمه، الابن البكر لأبويه باسم صباح ورنا خصيب، ويصغره محمد (11 عام).

طفولةٌ مُشرقة

علامات الذكاء كانت ظاهرة على أيهم منذ نعومة أظافره، درس مرحلة الروضة في عمان، وتقول معلمات الروضة وإدارتها: “انه حتى هذا العام لم يأتِ طفل بذكائه وتميُّزه”.

ملتزمٌ بصلاته وصيامه وأذكاره منذ بداية طفولته، وأكمل دراسته في عمان حتى الصف الأول وآنذاك طلبت المدرسة ترفيعه لصفوف أكبر حيث كان مستواه الذهني أعلى من مستوى أقرانه في الصف، لكن رفض أهله ذلك كي يعيش مراحل طفولته كاملة.

درس أيهم صفه الثاني في مدرسة قفين الأساسية، ثم عاد إلى عمان ليلتحق بالصف الثالث هناك، وعلى الرغم من هذا التنقل تكيّف مع بيئته بسرعة في كل مكان.

ثم تابع تعليمه في مدينة بيتونيا في مدارس نور الهدى التطبيقية، وكان يحصل على المرتبة الأولى بعلاماتٍ عالية، أما علاقته بمعلميه فقد كانت علاقة صداقة قوية كما وصفوه.

ليس كغيره

وتتحدث والدة أيهم رنا خصيب لـ “شبكة قدس” قائلة:لأيهم صفات مميزة، فهو حنون لدرجة كبيرة، طيب القلب، ويتحمل المسؤولية، ليس كغيره من أطفال جيله ممن يحبون شراء الألعاب فلم يكن يهتم لها، فقط كان يحب لعب كرة القدم”.

وتضيف خصيب: “أكثر ما يميزه أنه كان يعتبر الأمانة شيءٌ مقدس، ويكره الظلم على الرغم من صغر سنه، حتى أنه كان يناقش أساتذته إذا لاحظ ظلم طالب لو بشيءٍ بسيط، وكانت جملته المعتادة (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)”.

وتشير إلى أنه كان متعلقًا بعائلته كثيرًا، يحرص دائمًا على نيل الرضا، فلم يكن يخرج إلا لمدرسته أو لنزهةٍ عائلية إلا مع أسرته، أما الإجازات فيقضيها في عمان، إذ كان يحب الحياة، كما تقول والدته.

وكان من الملاحظ لدى الكثيرين شغف أيهم بالقراءة، فقد كان ناشطًا على مجموعات القراءة على مواقع التواصل الاجتماعي التي يشترك فيها الأفراد الأكبر عمرًا، تقول والدته: “في يوم ميلاده الثامن كنا نتساءل عن هدية نحضرها له فطلب منا كتاب (علم الكواكب والفضاء في القران الكريم)”.

إلى جانب القراءة والثقافة، كان من أولويات أيهم دراسته وتعليمه وحبه للمنافسة دائمًا ليبقى في مركزه الأول، ومع ذلك كان يحب أن يتفوق أصدقاؤه وأقرباؤه، وأيضًا مشاركته في الأنشطة المدرسية.

تاريخٌ غيّر مجرى الحياة

دقة مواعيد أيهم كانت السبب الأول في خوف والديه، فلم يتأخر قطعًا عن الساعة الثالثة والربع للوصول إلى بيته قبل ذاك اليوم، يوم الخميس 18من شباط للعام 2016 دقت عقارب الثالثة والنصف ولم يصل أيهم إلى البيت.

فقررت أمه انتظاره في محل والده في رام الله لعل سبب تأخره ذهابه إلى هناك، وبعد ساعة كاملة بدأ أهله بالبحث عنه في المدينة وإجراء المكالمات الهاتفية مع أصدقائه لربما ذهب مع أحدهم مع أنه لم يكن معتاد على ذلك.

أشارت الساعة إلى السادسة وكان الخوف سيد الموقف، وبعد خمسة دقائق من وصول والديه للمنزل رن هاتف والد أيهم، وكان المتصل “الكابتن يحيى” الضابط في المخابرات الإسرائيلية، طالبًا منه الحضور إلى معبر قلنديا وأكمل مكالمته بجملة “عندي إلك خبر مش منيح”، فبدت علامات الاستغراب على وجه والد أيهم، أما والدته فأصرت على الذهاب مع زوجها كي يطمئن قلبها قليلًا.

وصل والد أيهم مع زوجته وأخيه إلى الحاجز ودخل لمقابلة الكابتن التي استمرت لساعة كاملة تخللتها أسئلة عامة تخص عمله والعائلة وأولاده، اتسمت المقابلة بالهدوء فقد كان الكابتن يلعب بهاتفه، ثم نهض قائلًا: “سأخبرك بالخبر الذي استدعيتك لأجله، لكن أريد منك أن تمسك أعصابك”، تساءل بسام: “ما هو الخبر؟”، فأجاب سأخرج لخمس دقائق وبعد أن أعود سأخبرك.

عاد الضابط بعد دقيقتين ليلقي بالصدمة على أبو أيهم قائلًا: “ابنك أيهم قام بعملية”، فما كان من والده إلا أن تساءل “تقصد عملية جراحية؟ “، فأجابه الضابط: “ابنك طعن إسرائيلي وقتله”.

كان وقع الصدمة مدويًّا في رأسه، ولم يصدق حينها، ثم صار يسأل عن مصير ابنه فطُلب منه الخروج، وأثناء الانتظار كانت والدة أيهم قد سمعت بخبر العملية، لكن الخبر الصادم كان في البداية عندما تم إعلان أيهم شهيدًا، حيث تضاربت الأنباء عن حالته الصحية، حتى تم الحسم بإعلان أنه مازال على قيد الحياة، وأنه قيد الاعتقال داخل مستشفى إسرائيلي، إلا أن والدته بقيت ليومين شبه فاقدة للوعي لا تتذكر ما حدث.

كان أيهم يومها قد خرج من مدرسته متجهًا إلى متجر “رامي ليفي”، وهو مركز تسوق إسرائيلي فلسطيني، شرقي رام الله مع صديقه عمر الريماوي، لينفذ عملية طعن أسفرت عن مقتل إسرائيلي وإصابة أخر.

وعلى إثرها أصيب أيهم وصديقه بجروح خطيرة، ثم نقلا إلى مستشفيات إسرائيلية وهما قيد الاعتقال، وحسب ما أعلن عنه نادي الأسير سابقًا؛ فإن أيهم أصيب في كتفه الأيمن وقدمه اليسرى، ما تسبب بقطع شريان في يده وخضع إثر ذلك لعملية جراحية لزراعة شريان، وقد بدأ يتحسن تدريجيًا لاحقًا وأصبح قادرًا على السير على قدميه.

في الأسر

بعد عامين من الاعتقال صار عُمر أيهم اليوم 16 عامًا في الأيام الطبيعية، بينما هو رجلٌ عقلاني مُتزن في عمر أيام الأسر.

يتهافت زملاء أيهم الأسرى على إخبار والده عن تعامل أيهم المميز مع الجميع، وقدرته على نسج العلاقات داخل الأسر، وحتى الإصلاح بين المتخاصمين، ويذكرون طعامه الذي يصنعه لهم كثيرًا، فلقد أصبح قادرًا على الطبخ وحده، وزملاء الزنزانة يلقبونه بـ”الفنان الشيف”.

وفي لقاء صحفي مع الأسرى الأشبال داخل السجن مع أحد القنوات الإسرائيلية تظهر فيه ملامح وصوت أيهم يتحدث فيه وكأنما تستمع إلى صوتٍ يعيدك لأمجاد المقاومة والكفاح في فلسطين.

ويتحدث أيهم قائلًا: “قالوا إن هذا الجيل لن يقاوم وسيبيع أرضه، لكن ما أكدته الهبة الأخيرة أننا جيلُ مقاوم وجيل تربى على المقاومة، واغلب جيلنا ولِد في الانتفاضة الثانية أي حين كانوا بـ اللفة” كانت الناس تقاوم فشيء طبيعي أن يسلمونا علم المقاومة”.

وتابع أيهم مجيبا الصحفي الإسرائيلي: “لم أتكلم مع يهودي طيلة حياتي، ولا أريد ذلك، فأنت أول شخص يهودي أتحدث معه، أنا لا أتعامل مع أي يهودي أنه يجب أن يقتل، فمثلًا هناك يهود في أوروبا وأنا مستعد أن أسلم عليهم وأشرب معهم الشاي، لكن هنا يهوديّ احتل أرضي”.

ويضيف: “القضية ليست لحظية، هي تراكمية حتى أتت ساعة الصفر، الساعة التي قررت أن أفعل بها شيئًا، وفي لحظات الصفر تنسى الخوف وكل شيء، أنت وضعت لنفسك هدف وعليك تحقيقه رغم كل شيء”.

وينهي أيهم حديثه بجملة “أنا لست نادمًا أبدًا عن العملية التي قمت بها ولا بأي شكل من الأشكال”.

ظروف اعتقال مؤلمة

“اعتقال الأطفال انتهاك مباشر لحقوق الإنسان ولحقوق الطفل أيضا، الاحتلال لا يحترم أي قانون من الممكن أن يدينه ويفبرك الحقائق، ظروف اعتقال الأطفال مؤلمة بشكل عام ما بين التنكيل بهم، ضربهم، وتنقلاتهم من معتقل لآخر والمعابر وما شابه”، هكذا وصفت بشرى الطويل الصحفية والناشطة في شؤون الأسرى ما يتعرض له الأطفال في الاعتقال.

وتوضح الطويل أن أساليب التحقيق تتنوع مع الأطفال ما بين الشتم، الصراخ، التهديد والوعيد، والإجبار على خلع الملابس وهذا ما يجعل النتيجة سلبية نفسيًا عليهم ومن الممكن أن تؤثر لفترة طويلة”.

وتشير إلى أن أساليب التحقيق مع الأطفال لا تختلف عن البالغين، ولكن الاحتلال يستغل صغر سنهم، إما لإسقاطهم أو لتخويفهم وتدميرهم نفسيًا.

وتضيف: “يستغل الاحتلال الأطفال ويخدعهم بوعود كاذبة لمصلحة المخابرات فقط، وتدريجيًا يجد الأسير نفسه قد تورط مع الاحتلال، وبهذا يعمل الاحتلال على تحويل الأطفال إلى عصافير”.

وبحسب إحصائيات نادي الأسير الفلسطيني فإن عدد الأطفال في سجون الاحتلال قد بلغ 350 طفلاً وطفلة.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى