تقارير وملفات خاصة

المسعفة فدوى وشقيقتها.. العناق الأخير في اجتياح مخيم جنين

جنين – خاص قدس الإخبارية: كان الثالث من نيسان/ أبريل عام 2002 بارداً عندما بدأت طائرات الاحتلال تسيطر على سماء مخيم جنين، والدبابات تغلق المداخل، والمركبات العسكرية تستفرغ جنودها عند نقاط عِدّة، حين عزمت الممرضة فدوى الجمّال (27 عاماً) أن تتواجد في عملها الجديد، الذي يبعد عشرات الأمتار فقط عن منزل شقيقتها الذي تقيم فيه.

أجواء انتفاضة الأقصى كانت لا تزال في أوجها بداية نيسان، بعد أيام من إعلان رئيس وزراء الاحتلال أرئيل شارون عن بدء عملية “السور الواقي” ليفتتح بعدها بأيامٍ فقط حصار كنيسة المهد في بيت لحم، واجتياح مخيم جنين.

منذ اليوم الأول من تعيينها، انطلقت فدوى تلتقط ما تحتاجه من أدوات طبية في مستشفى الأمل بجنين، بعد انتقالها من العمل كمتطوعة في الهلال الأحمر بطولكرم إلى وظيفتها الجديدة كممرضة، لتحل ضيفةً مُقيمة في منزل شقيقتها رفيدة التي تسكن في محيط المخيم.

قبل ساعةٍ واحدة من حصار المخيم، تأهبت فدوى على باب المنزل مرتدية لباس المسعفين (الأبيض)، في حين تقدمتها رفيدة التي تكبرها بعشر سنوات، منطلقةً تشق الطريق لشقيقتها تسأل عن مسلك آمن يؤدي إلى المشفى، وما أن قطعت ثلاثة أمتار حتى كسر إيقاعَ نبضِها رصاصةٌ حيّة خرقت صدرها، وطلقا “دُمدُم” متفجّر في فخذها، لتنكسر على الأرض نازفة.

نقطة الرصد الإسرائيلية التي أطلقت النار كانت لا تزال تراقب، حين اندفعت فدوى مفجوعةً تُسابِق خفقانها لإسعاف رفيدة، فأصيبت بثماني رصاصات رمت فدوى فوق شقيقتها، تسكب الدم عليها.

الزحف تحت الموت

يروي تيسير دَمَج – زوج رفيدة – كيف انتزعته أصوات الجيران من نومه، صارخةً: “أبو المجد الحق زوجتك تصاوبت”، واصفاً شعوره بعد فتحه باب المنزل بالعجز، إذ خشي إن اقترب أن يُصاب هو الآخر، فأخذ ينادي شقيقة زوجته بداية الأمر لترد بأنينٍ مُتَقطّع الأنفاس، وأيقن بعد صوتها الأخير أنها قد فارقت الحياة.

ويكمل أبو المجد لـِ “قدس الإخبارية” أنه بعد أن اكتشف أن زوجته لا تزال على قيد الحياة، أخذ يحفزها كي تزحف تجاهه “قومي، ازحفي، اِحبي، اقتربي أكثر”.

تقول رفيدة: لقد سقطت شقيقتي بردائها الأبيض الذي تحول إلى أحمر في حضني، ولقنتُها آخر كلماتها “الشهادة”، وصحت على الشبان الذين جُنّ جنونهم لتقديم المساعدة بألا يقتربوا فيصابوا بمكروه، في الوقت الذي كانت مركبات الإسعاف مستهدفة ومحظور عليها الاقتراب، وفي ظل ذلك كان العديد من الجرحى والمصابين يتم نقلهم من الميدان إلى أقرب منزل، ويبقون ينزفون إلى أن يستشهدوا.

وتصف لـِ “قدس الإخبارية” كيف استجمعت قواها وأنزلت شقيقتها على جنب، وأخذت تزحف وتجرّ نفسها على جنبيها، تصارع رصاصات في داخلها وأخرى كانت تُطلق عليها أثناء تحركها لكن لم تصبها، إلى أن وصلت وانتشلها زوجها من عتبات المنزل.

تَحلّقَ أطفالها الأربعة حولها –أبو المجد مكملاً– يجلبون الأقمشة لتضميد جراحها في حالة ذُعرٍ على والدتهم المصابة، إلى أن تم التنسيق مع مركبة إسعاف استطاعت بعد مضي نصف ساعة على إصابتها، أن تنقلها خلال انشغال “النقطة العسكرية”، في حين قررتُ في لحظة حاسمة أن أبقى في المنزل خشيةً على الأولاد في هذه الأوضاع.

رفيدة: عندما وصلتُ إلى المستشفى كان لدي ثلاث وحدات دم فقط، حينها طلبت من المسعفين أن يجروا عمليتهم دون ارتباك، وسلّمت أمري لله وأنا على يقين أني سأفارق الحياة، لم أتوقع أن أعيش.

ولكن رفيدة ترى الوقع الأصعب عند انتقالها إلى المستشفى في ظل انقطاع الاتصالات والكهرباء خلال اجتياح جنين، حال زوجها وأطفالها الأربعة: أكبرهم (11 عاماً) وأصغرهم (ثلاثة أعوام)، الذين لا يعرفون عنها شيئاً إن كانت على قيد الحياة أو استشهدت لمدة 20 يوماً.

وما يوازي هذا الوقع صعوبةً، من وجهة نظرها، الطريقة التي علم بها والداها في مخيم نور شمس بطولركم نبأ استشهاد شقيقتها وإصابتها، إذ لم يجرؤ أحدٌ في المخيم ممن علم من “التنظيم” أن يخبر العائلة، ولكن بعدها بأيام – رفيدة تروي – كان والدي يستمع إلى نشرة أخبار الصباح على إذاعة “مونتيكارلو” الفرنسية، إذ جاء فيها: “استشهاد المسعفة فدوى الجمال، وإصابة شقيقتها”.

تكمل: سمع والدي خبر الاستشهاد ولم يكمل سماع خبر الإصابة، فذهب إلى والدتي يناديها “أُم شوقي، قومي فدوى استشهدت”. كانت والدتي قد انتهت من صلاة الفجر وجالسة تقرأ القرآن، فردت عليه بعد أن رفعت ناظريها وكسا الحزن وجهها “هي مش أحسن من إبراهيم الحلو” – وهو طبيب من طولكرم كان قد استشهد داخل مركبة الإسعاف بصاروخ أطلق عليه، وعندما علمت بإصابتي بعد أيام، قالت “أختها فدوى فداها”.

فدوى للوطن والإنسانية

تستذكر رفيدة: عندما وُلِدّت شقيقتي وأسماها والدي بـِ “فدوى” قال هذه “فدوى للوطن”، وكبرت على هذا الاسم والمعنى مدركة سبب التسمية.

كانت فدوى البسيطة في طبعها تترك أثراً أينما حلّت، فعندما عملت كقابلة وولّدت الكثير من النساء اللواتي يتذكرنها بالابتسامة المشرقة، وطبعها في إعطاء الهدايا للمرضى ومواساتهم.

تأثرت فدوى قبل استشهادها بأسبوع بمشهد إعدام جيش الاحتلال لأفراد من الأمن الوطني بدم بارد بعد إجبارهم بالوقوف صفاً وإطلاق النار عليهم في محيط مستشفى رام الله ودفنهم في نفس المكان، بالإضافة إلى اقتحام المستشفى وسحب المصابين من داخله.

وقتها أجهشت فدوى بالبكاء وأخذت تنتحب أمامي، رفيدة مكملة، كانت تصرخ أمام التلفاز وتقول “يا الله إحنا نموت هاي الموتة؟  إحنا نندفن هيك دفنة؟!”.

حبيبة الأطفال والحالات الخاصة، تكمل رفيدة، عندما ذهبت فدوى إلى مستشفى الأمراض العقلية في بيت لحم، كانت تأتي تروي قصصاً عنهم، وتبكي عليهم من كثر تعلقها وحبها لهم.

كانت تهرع لتقديم المساعدة والإسعاف لأي شخص تحت أي ظرف يمرض أو يُصاب، كانت في منزل العائلة غرفة خاصة لفدوى تسعف كل طالب للمساعدة بشكل مجاني وبأي وقت كان.

أخبار الاجتياح تتسرب مع الدم

أصوات القصف والطائرات وحركات الدبابات وحدها التي كانت تنقل الأخبار في اليوم الثامن من الاجتياح، في ظل انقطاع الكهرباء والاتصال عندما كان أبو المجد مطوّقاً أولاده بيديه، واصفاً كيف اهتز بيته أمام الصاروخ الذي قصف منزل جيرانه وهدم نصفه وأدى إلى حرقه.

وفي لحظة رفع حظر التجوّل والإعلان عن أن طائرات F16 ستقصف المكان، انطلق أبو المجد ومعه أولاده إلى الحارة الشرقية قرب شارع الناصرة، حيث تسكن خالته.

يصف أبو المجد طريقه خلال خروجه كيف وجد نوافذ بعض المنازل في المخيم مفككة ومتسترة بأكياس من الرمل، وتحوّلت إلى نقاط لجيش الاحتلال، قائلاً: رأينا الناس المشردة وأبناء المخيم، وأخذت أسأل عن أخبار المخيم، فسمعت وقوع أكثر من 500 شهيد، هدم الاحتلال أكثر من ثلثه، وعندما سألت عن الشباب وكان الجواب أنهم لا زالوا صامدين رفع من معنوياتنا، وأعطانا شعوراً بأن المخيم لا زال بخير رغم هدم أكثر من ثلثه.

وبعد مضي أكثر من أسبوعين، يقول أبو المجد، انطلقت لأزور زوجتي في المستشفى وعندما وصلت واطمأننت طلبت أن أجلب الأولاد كي تراهم، فأرسلتهم مع عمهم، بعدها بقليل حُظِر منع التجول مرة أخرى مما زاد من قلق أبو المجد على أولاده.

 لينطلق بحثاً عنهم، وأثناء عودته التقى بدبابة أطلقت رشقة طلقات نارية، ليهرب قاطعاً أحد السهول المزروعة بالقمح مسافة 200 م، ويقول: “لقد شعرت أنها 20 كلم، إلى أن وصل منزل خالته”.

وتذكر رفيدة أن فدوى لم تكن أول شهيدة من أشقائها، فقد سبقها شقيقها شوقي بتاريخ 20 كانون أول عام 1994، عندما كان في طريقه ذاهباً إلى عمه عبر شارع الباقة الغربية لإخباره بوفاة جدته، فاعترضه حاجز عسكري في الطريق يدقق بالهويات، وأطلقوا عليه طلقي دُمدُم متفجر في بطنه، حين كان جالساً في مركبته بجانب زوجته وطفله الذي يبلغ العام، وكي يغطي الاحتلال على فعلته طلب الإسعاف ونقلوه إلى المستشفى، واستشهد على إثرها في نفس تاريخ اليوم بعد عامين.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى