مدوّنات

عملية “بركان”… كيف حاولت الإشاعة والتشكيك خنق البطولة؟

طوال تاريخ العمل الفدائي والمقاوم ضد الاحتلال، لم تسلم العمليات ومنفذوها أيضًا، من المزاودين والمرجفين، الذي لا يتوارون عن ممارسة التدخل في النوايا، وتحليل الأفعال بإحباط، وتأويل الأحداث إلى غير حقيقتها.

وإن المتأمل في تاريخ تعامل المجتمع مع العمليات لا سيما في الضفّة المحتلة، يجد أن هناك فريقًا من الناس كانت مهمتهم منذ الأزل تتمحور في تحوير الفعل الثوري، وإسقاطه إلى عوامل اجتماعية وشخصية، في محاولة لنفي صفة البطولة عن الفدائي.

تختلف الانتقادات، لكن الهدف واحد، فمرة يطعنون في الآلية والوسيلة وأخرى في المنفذ، ثم يجادلون في الجدوى، وذلك في محاولة لإنكار المقاومة وتثبيطها، وتعزيز مفهوم “الخنوع العام”، وهو ما تشكلّ العمليات الفدائية ضربة أساسية له، من خلال إفشال مفهومي “السلام والتعايش”، وإعلاء فكرة “مقاومة الاحتلال” على كلّ ما سواها.

في عملية “بركان” الأخيرة، التي نفذها فدائي من شمال الضفة، داخل المنطقة الصناعية وأدت إلى مقتل مستوطنين وإصابة ثالث بجروحٍ خطيرة، نجح المنفذ في الانسحاب من المكان بسلام، بينما فشلت سلطات الاحتلال وأجهزته الأمنية في اعتقاله عقب يومين على تنفيذها حتى الآن.

استخدم المنفذ سلاح “كارلو”، تجاوز الحواجز الأمنية، صعد للمبنى، في الطابق الثاني، ثبّت القتلى، وحاول احتجاز السكرتيرة كرهينة، ثم أطلق الرصاص نحوها ومستوطن آخر أدت إلى مقتلهما، حدث خلل في سلاحه منعه من إطلاق المزيد من الرصاصات بسهولة، فأطلق الرصاصة الأخيرة على مستوطنٍ ثالث لحظة الانسحاب، وأكمل الطريق خارج المنطقة، إلى حيث لا تعرف مخابرات الاحتلال.

في بداية أخبار العملية البطولية، بدأت التحليلات تتوالى، لإظهار الأمر وكأنه عبارة عن “حدث عابر” وليس “بطولة تستحق الحفاوة”، فبدأ القول بأن المنفذ مطرود من العمل بالمنطقة وتصريحه منتهٍ، فيما قال آخرون بأن قتله لصاحب المصنع كان ثأرًا شخصيًا وليس عمل وطني، وذلك في محاولة للتقليل من أهمية الفعل ونوعيته.

سمح البعض لأنفسهم للتدخل في نيّة المنفذ، هذه المرة، كما فعل سابقون عندما أوعزوا عمليات الدهس إلى أنها عبارة عن مجرد “حوادث سير” لم يكن يقصد فيها قتل جنود الاحتلال إنما كان عن “طريق الخطأ” حسب زعمهم.

تتساوق هذه الأمور مع ما يحاول “الشاباك” قوله منذ سنوات طويلة، بأن منفذي العمليات يعانون مشاكل نفسية واجتماعية تتمثل بخلافات عائلية أو حالات من الفقر واليأس، وأن إقدامهم على فعلٍ ثوري مقاوم كهذا، ليس إلا محاولة للخلاص من حياتهم الصعبة، لكن مخابرات الاحتلال أكدت فشل نظريتها تلك، خاصة عندما خرج عددٌ من منفذي العمليات في “انتفاضة القدس” الأخيرة خلال أعوام “2015-2018” من عائلات مرموقة وذو وضع اجتماعي ومادي ممتاز، لكن الدافع لا خلاف عليه: “الوطن”.

ثمة دلائل كثيرة تبطل كل الادعاءات السابقة، ليس من باب التحليلات فقط، إنما بالوقائع التي أكدتها تفاصيل العملية نفسها، وباعترافات الاحتلال أيضًا وأسلوبه لما بعد العملية التي تم تأكيد خلفيتها بأنها “قومية” وليست “جنائية” بالمطلق.

إن النقطة الأولى التي يمكن الاستدلال بها، وهي أن “إسرائيل” كانت لتعلن أن العملية “جنائية” –وقد فعلت ذلك في مرات سابقة- لو كانت مجرد خلافات في العمل بين المنفذ والقتلى، بدلًا من إعلان أنها “قومية”، فالخيار الأول كان أسهل من أجل عدم بثّ الرعب في المستوطنين.

كما أن أجهزة شاباك الاحتلال أكدت وبحسب معلوماتها بأن المنفذ يحمل تصريحًا ساري المفعول للعمل داخل الأراضي المحتلة 48، وأنه لا زال على رأس عمله ولم يتم طرده، وهو ما يبطل بالضرورة الرواية التي صدرت حول “الثأر الشخصي”.

فدائي بركان، عبر المنطقة بشكل طبيعي من الباب، وعبر بوابات الدخول وهو ما يثبت بأنهم يعرفونه جيدًا ويحفظونه ويأمنون له، وهو ما يشير أيضًا إلى أنه ليس مطرودًا ويحمل تصريح الدخول بشكلٍ طبيعي، وهو دليل آخر على أن العملية لها “دوافع وطنية”.

مصادر إسرائيلية نقلت عن “الشاباك” تحقيقات أشارت إلى أن تفاصيل العملية تشير بشكلٍ أو بآخر، على أن منفذ عملية بركان حدّد هدفه مسبقا قبيل تنفيذه للعملية، كما أنه عرف بالضبط على من يطلق النار، حيث صعد للطابق الثاني وأطلق النار على شخصيات محددة.

بيان جيش الاحتلال أكد بشكلٍ واضح أن “العملية القومية” نفذت بطريقة فرديّة بدون غطاء تنظيمي، تشبه سابقاتها بعمليتي “ايتمار وحلميش”، واستخدم بها سلاح “كارلو” وانسحب به، وهو ما يدفع بالخشية من تنفيذ عمليات بمناطق أخرى، في حال أدرك المنفذ أنه سيتم اعتقاله أو استشهاده.

كاميرات المراقبة في مدخل المستوطنة أظهرت أن الشاب المنفذ دخل إلى المستوطنة برفقة أبيه وصديقه، حيث يعملان معه في “بركان”، إذ دخل حاملاً حقيبة ظهر كبيرة، ولم يتم فحصه عبر البوابات الإلكترونية التي تكشف المعادن والأسلحة.

بحسب صحيفة “إسرائيل اليوم”، فإنّ الشاب تفاجأ بعطل في سلاح “الكارلو” الذي بحوزته، لذلك لم يقتل مزيد من المستوطنين المتواجدين بالمكان، واختار الانسحاب من موقع العملية، وتفيد التقديرات بأن المنفذ لم يجهّز مكانًا للاختباء حيث اعتقد أنه سيرتقي شهيداً خلال عمليته.

عقب ساعات من العملية، اتخذت سلطات الاحتلال عددًا من الإجراءات التي تتخذها عادة في حالة العمليات الفدائية، فأغلقت حواجز ومداخل القرى، وأقدمت كذلك على اعتقال أقاربه واستجوابهم، بما فيهم شقيقته، وبالتأكيد لو كانت العملية “جنائية” لم تكن الأمور كما هي عليه الآن.

“لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى، حتى يراق على جوانبه الدمُ”، هذا البيت الشعري طال حتى العمليات الفدائية التي تشرّف الشرف، وتبقى البطولة في ذاتها ردًا بالغًا على كل محاولات التثبيط منها، وإنكارها وإيعازها إلى غير حقيقتها، كما تظل تعبيرًا دقيقًا عن بقاء الفعل أقوى من الكلمة، وأن الرصاص في حقيقته أقوى من غصن زيتون ولقمة عيش.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى