تقارير وملفات خاصة

الضمان الاجتماعي… جدلٌ مستمر ومستقبل مبهم

رام الله المحتلة- خاص قُدس الإخبارية: مع اقتراب الموعد الإلزامي لانضمام كافة العمال لصندوق الضمان الاجتماعي، يثير القانون مجدداً الكثير من التساؤلات والتخوفات، في ظل عدم الكشف عن اللائحة التنفيذية للقانون، وعدم وجودها بشكل معلن للشارع الفلسطيني، إضافة لعدم وجود حلول منذ ستة شهور لعدة قضايا جوهرية وأساسية أثارها قانون الضمان الاجتماعي الذي أقر قبل عامين.

ففي 20 تشرين أول 2016،  أقرّت الحكومة الفلسطينية قانون الضمان الاجتماعي بعيداً عن مؤسسات المجتمع المحلي، لتنطلق الحملة الوطنية للضمان الاجتماعي، مطالبة بتعديل مواد القانون التي احتوت فجوات خطيرة وذلك بما يضمن الحقوق العمالية، قبل أن تستجيب الحكومة لهذه المطاِلب بعد انطلاق مسيرتين بمشاركة آلاف العمال في مدينة رام الله – مقر الحكومة الفلسطينية– ويتم تعديل القانون للمرة الثانية، والبدء بالعمل به تدريجياً، إلا أن بعض الفجوات ما زالت قائمة في القانون، وما زالت العديد من الأسئلة دون إجابات.

وفي ظل المحاولات المستمرة لتصويب العمل على تنفيذ القانون، أخذ معهد الحقوق في جامعة بيرزيت على عاتقه مسؤولية وضع لوائح تنفيذية لمؤسسة الضمان الاجتماعي، إلا أن المؤسسة لم تقر العمل بهذه اللوائح، ولم ترد عليها. سكرتير الحملة الوطنية للضمان الاجتماعي، اياد الرياحي، يبين لـ”قدس الإخبارية” أنه تم الاتفاق سابقاً على أن وضع اللائحة التنفيذية قابلة للحوار، إلا أن ذلك ما لم ينفذ حتى الآن.

وما زالت قضايا إشكالية مهمة عالقة مثل “أتعاب نهاية الخدمة، وذوي الإعاقة، والموظف الأجنبي، وحقوق العمال في الضفة المحتلة من حملة “هوية القدس” و”الهوية الإسرائيلية”، وهو ما يـنفيه ممثلو النقابات العمالية في المؤسسة وقد أكدوا وجود 15 لائحة تنفيذية أقرت حديثاً، وقد حولها مجلس الإدارة إلى ديوان الفتوى والتشريع ومجلس الوزراء، ومتوقع أن تنشر في جريدة الوقائع الرسمية.

أبرز الإشكاليات

ويعتبر غياب التمثيل الحقيقي للعمال في مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي، من أبرز ما يقلق العمال ويثير الشكوك حول مدى إنصافهم من قبل المؤسسة مستقبلاً، فرغم أن النقابات العمالية تشكل أغلبية المجلس، إلا أن القطاع الخاص تربع على مقعد نائب رئيس المؤسسة، واعتبرت المادة 18 من القانون، كل الممثلين أعضاء، فيما حددت فقط رئيس المجلس بأنه وزير العمل الفلسطيني، و ذكر البند الثالث من ذات المادة أن نائب رئيس المجلس يتم انتخابه من قبل الأعضاء، وتجري الانتخابات كل أربع سنوات، وقد أجاز القانون إعادة انتخاب ذات النائب.

أما التفاصيل حول إشكالية “أتعاب نهاية الخدمة” التي أثارها القانون، يوضح الرياحي أن آلية التعامل مع العمال الذين لم يستقيلوا ولم يتقاعدوا غير واضحة في قانون الضمان الاجتماعي، ورغم صدور بيان عن وزير العمل الفلسطيني بين فيه آلية التعامل مع “أتعاب نهاية الخدمة” للعمال – وهو الذي باركته الحملة – والذي تضمن احتساب شهر عن كل سنة، وذلك بناء على مادة رقم (45) من قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لعام 2007، إلا أن الحكومة تراجعت عن هذا القرار فيما بعد.

ويرى حقوقيون ضرورة تعديل قانون العمل الفلسطيني بما يتلاءم مع قانون الضمان الاجتماعي الجديد، وذلك حتى يلتقي القانونيون ويضمنا حقوق العمال، يعلق الرياحي، “بعض القضايا أصبحت تحت مظلة قانون الضمان الاجتماعي وهو المخول اليوم بالتعامل معها، ما يستوجب إزالتها من قانون العمل الفلسطيني وتعديله، وقد علمنا أن وزارة العمل شكلت لجنة لتعديل القانون، إلا أننا لم نر أي نتيجة لذلك حتى الآن”.

إلا أنه سرعان ما تراجع الوزير عن قراره، “ربما يجرنا ذلك إلى المحكمة الدستورية لنأخذ أجوبة عن ماهية مستحقات العمال”، مشيراً إلى أن الإشكال العميق في قضية “أتعاب نهاية الخدمة” يشابه الإشكاليات الأخرى والتي سببها غياب اللوائح التنفيذية وخاصة أن الفصل السادس من القانون والذي يتحدث عن تأمين تقاعد الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعية، من مادة (47) إلى مادة (71)، لا يوجد به بند واضح عن “أتعاب نهاية الخدمة” الذين أنهوا عملهم دون أن يستقيلوا أو يتقاعدوا.

ذوو الإعاقة في قانون الضمان

أما بما يخص العمال ذوي الإعاقة، فيمنحهم القانون حق التقاعد بعد عشر سنوات، إلا أن تنفيذ ذلك ما زال غير واضح التفاصيل، فهل سيحتسب القانون العشر سنوات كما يحتسب الـ 15 عاما للعامل من غير ذوي الإعاقة؟، يعلق الرياحي، “إذا لما يساوي القانون باحتساب سنوات التقاعد لذوي الإعاقة مع غيرهم، فيعني أنه سيكون تخفيض للرواتب التقاعدية لذوي الإعاقة وإلحاق ظلم بهم… المطلوب أن يتم الالتزام بالقانون ويتم إعطاء منحة العمر للعمال ذوي الإعاقة”.

وينص البند الرابع من المادة رقم (50)  من قانون الضمان الاجتماعي على أنّه، “يستحق المشتركون من ذوي الإعاقة الذين أكملوا (10) سنوات خدمة الحصول على راتب تقاعدي إلزامي”.

المدير التنفيذي لجمعية نجوم الأمل لتمكين النساء ذوات الإعاقة كفاح أبو غوش، تبين لـ”قدس الإخبارية”، أن المسودة الأولى للقانون استثنيت وجود العمال من ذوي الإعاقة، ولم يتم إدراج أنظمة خاصة فيهم، مشيرة إلى أنه تم إدخال تعديلات على القانون بما يراعي وجود العمال من ذوي الإعاقة، وكان من أهم هذه التعديلات “نسبة الاشتراكات” والتي تكون لعشر سنوات فقط، إضافة لأن يكون استفادة الورثة من ذوي الإعاقة مدى الحياة وأن لا تكون مرتبطة بسن محدد، إذ ينص البند الأول من مادة رقم (65) على أن من الورثة المستحقين للراتب التقاعدي هم “الأولاد ما فوق 21 سنة من ذوي الإعاقة، والذين كانوا يعالون من قبل أحدهم قبل وفاته، وليس لهم أي مصدر دخل.

وأكدت أبو غوش على أن التعديلات التي أضيفت للقانون بما يخص العمال ذوي الإعاقة، منحتهم استثناء إيجابي يضمن حقوقهم، “راضون عن إضافة هذه التعديلات المنصفة لذوي الإعاقة، إلا أننا ننتظر آلية تنفيذ ذلك وهل سيكون بطريقة فعالة”.

الاشتراكات والجدل المستمر

تحت عنوان “الاشتراكات التأمينية” يستعرض الفصل الخامس من قانون الضمان الاجتماعي، الاشتراكات التي يتوجب دفعها من قبل العمال وأرباب العمل، إذ تنص المادة رقم (42) في بندها الأول على أن “يكون الحد الأقصى للأجر الخاضع للتأمينات الشهرية مساوياً عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور”، وبناء على القانون فيتوجب على العامل دفع 7%، فيما يدفع صاحب العمل 9%، رغم أن مساهمة القطاع الخاص يجب أن تكون مساوية الثلثين مقابل أن يدفع العامل الثلث الثالث، حسب ما يطبق في دول المحيطة.

يعلق الرياحي، “لا يوجد فرق جوهري بين ما يدفعه العامل وما يدفعه صاحب العمل لصالح تقاعد الشيخوخة، وكما تمكنا من إضافة نصف بالمئة على أصحاب العمل بعد صراع مع الحكومة خلال تعديل القانون”، مشيراً إلى أن الجهود المشتتة للنقابات العمالية مقابل توحد القطاع الخاص.

البدء بتدفيع العمال مساهمات عالية يثير القلق، حول ما سيدفعه العامل فيما بعد عند إضافة المنافع الأخرى مثل البطالة والتأمين الصحي وغيره، يقول الرياحي، إن “نسب المساهمات ما زالت محل للصراع، الموافقة المبدئية على النسب الحالية هو كان بهدف عدم اتهام أحد من الأطراف بتعطيل القانون.. إلا أن المطالبة بتعديلها يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في السنوات القادمة ويتم العمل عليها بشكل جدي”.

من جهة أخرى، ستبدأ مؤسسة الضمان الاجتماعي بتنسيب إلزامي لكافة العمال خلافاً لدولة الأردن القريبة والتي بدأت ذلك بالتدريج على عدة مراحل، إلا أن وجود مؤسسة حديثة العهد غير جاهزة لوجستيا لاستقبال كمٍ كبيرٍ من الطلبات، وهو ربما ما سيدفعها لاتباع تنفيذ مهامها تدريجاً، حسبما يتوقع الرياحي.

الاشتراكات التي سيسددها العمال وأصحاب العمل لمؤسسة الضمان الاجتماعي فور البدء بتنفيذ القانون تقدر بعشرات ملايين الشواقل التي ستسحب مرة واحدة من السوق الفلسطيني، والتي قد تسبب صدمة اقتصادية مفاجئة، الصحفي المختص بالشؤون الاقتصادية محمد عبد الله يقول لـ”قدس الإخبارية”، “الوقت الحالي غير مناسب لتطبيق قانون الضمان الاجتماعي لأسباب سياسية واقتصادية أنتجتها صفقة القرن والضغوطات الأمريكية وتراجع المنح والمساعدات المالية التي تقدمها أمريكا والتي تقدر متوسط قيمتها سنوياً 600-700 مليون دولار”.

وأضاف أن تنفيذ قانون الضمان الاجتماعي في هذا الوقت يعني سحب سيولة تقدر قيمتها بـ 130- 150 مليون شاقل شهريا، وهي مبالغ سيتم تجميدها مؤقتاً لصالح الضمان الاجتماعي لحين البت في قنوات استثمارها، مؤكداً على ضرورة تأجيل تنفيذ القانون والذي سيشكل تنفيذه عبئاً على السوق الفلسطيني.

ويطالب عبد الله بالاقتداء بآلية تطبيق الأردن لقانون الضمان الاجتماعي، إذ بدأ على عدة مراحل، شملت أولها الشركات الكبيرة، “ربما علينا تنفيذ الضمان الاجتماعي في فلسطين بالبدء بأكبر 50 شركة موزعة في القطاع المصرفي والتأمين والاستثمارات وغيرها.. ثم إدخال الشركات والقطاعات الأخرى”.

وأكد على أن عدم اتباع التدرج في تنفيذ القانون سيسب صدمة للسوق في ظل ما يشهده من تراجع بالقوة الشرائية، إذ بيّن تقرير للبنك الدولي أن النمو في الضفة المحتلة القائم على الاستهلاك في تراجع وسط توقعات صورة قاتمة في المرحلة المقبلة، “كل العوامل التي بين أيدينا تتطلب أن يتم تأجيل تنفيذ القانون مدة ستة شهور على الأقل حتى تتضح الصورة السياسية والاقتصادية”.

من جهة أخرى، يبين الرياحي أنه وحسب قانون الضمان الاجتماعي فيجب أن يتم استثمار كافة الأموال التي يتم جمعها من قبل العمال وأرباب العمل، متوقعاً أن ينتج عن الاستثمار الآمن لهذه الأموال ضخ سيولة في السوق الفلسطيني وتوليد فرص عمل جديدة واستثمارات.

من سيراقب؟!

عشرات ملايين الشواقل ستتدفق من الشعب الفلسطيني – عمال وأرباب عمل-  إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي، ما يطرح العديد من الأسئلة حول فرض الرقابة على المؤسسة: من المخول برقابتها؟ هل نكتفي برقابة مجلس الإدارة؟ هل نؤسس مجلس رقابة تخضع له المؤسسة؟

يرى رياحي أنه إذا لم تمض المؤسسة في إجراءاتها بالمسار الصحيح ولم تحتوي على ممثلين حقيقيين ومنصفين للعمال يضمنون لهم حقوقهم، فيجب تأسيس ائتلاف أهلي يفرض الرقابة على عمليات الاستثمار وتطبيق القانون، “نحن متوجهون إلى هذا التعقيد من الأمور، وخاصة أن ذات المؤسسات التقليدية التي تمثل العمال، هي ذاتها ستمثلهم في مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي ما يحملها مسؤولية الوقوف الكامل معهم والدفاع عنهم، واستعادة تمثيل أعلى لهم في مجلس الإدارة”.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى