تقارير وملفات خاصة

“حارة اليهود” بغزّة… ماذا تعرفون عنها؟

غزّة- خاص قُدس الإخبارية: ربما يستثيرك الفضول والدهشة لمجرد سماعك باسم حارة اليهود في غزة لأول مرة، الحارة الرمادية المقامة على أطراف حي الزيتون شرقي القطاع، تقطنها عدد من العائلات الغزية، بقي مسماها ورحل ساكنوها ذو الديانة اليهودية، لتبقى ذكرياتها عالقة في أذهان كبار السن الذين يعتبرون أساس الرواية.

بمجرد أن تطأ بقدميك ذلك المكان، وتستكشف بأنه عبارةٌ عن حارة مكونة من بيوت سكنية يظهر عليها علامات البعد الجغرافي والتاريخي لهذه المنطقة، فجميع ساكنيها يروون التفاصيل بايضاح مفصل، ويشيرون إلى أن أسباب تسمية حارة اليهود بهذا الاسم، هو أن جماعة من تجار اليهود من أصول فلسطينية، قنطوا فيها مدة من الزمن قبل مجيء الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، لممارسة أعمال التجارة والزراعة.

“حكاية الحارة الرمادية”

الحاجة أم عبد الله عطا الله تقطن الحارة الرمادية منذ أكثر من 50 عاماً، تروي قصة الحارة غريبة الاسم، فتقول: “سُميت بحارة اليهود، لأن سكانها كانوا عبارة عن مجموعة من تجار يهود فلسطينيو الأصل، جاؤوا إلى غزة قبل مجيء الاحتلال الإسرائيلي، واستقروا وأنجبوا فيها، كونها كانت نقطة تجارية هامة لهم في تلك المدة، بحسب طبيعة المكان الاستراتيجي التجاري الذي يربط غزة ومصر”.

وتتابع في حديثها لـ“قُدس الإخبارية”، “هذه الحارة عبارة عن أرض زراعية مساحتها 4 دونمات، تعود لعائلة مسلمة، ثم تحولت تلك الأرض إلى مقبرة تضم نحو 12 قبراً لجثت اليهود، إلى أن تم بيعها من قبل أحدهم بـ 40 قرشاً، واستأجرتها وزارة الأوقاف في ذلك الوقت، وكانت تزرع بمحاصيل القمح والشعير والحنطة”.

وتؤكد أم عبد الله، على أن جميع البيوت كانت من “الإسبست” وبسيطة للغاية نظام (النمرة أو النمرتين) لكل عائلة، ولم يكن يسمح لهم من قبل اليهود بالتوسع أو البناء قبل عام 1988م، إلى أن تم دحرهم نهائياً مع اندلاع الانتفاضة، وانقطاع مجيئهم.

ووفقًا لرواية الحاجة فان الناس يبدون دهشتهم لمجرد سماعهم مسمى الحارة، حيث يسارعون بالسؤال عنها وعن تفاصيلها الغامضة، كونهم أقلة هم من يعرفون حكايتها.

أعمال تجارية حرة

من أمام باب منزله، كان الثمانيني “أبو زكي الصوص” يتكئ على منضدته، مرحباً بالقادمين بابتسامة العريضة، ويشير بيده إلى بيت جاره المجاور له بالسكن، قائلاً: “عائلة جحا من أقدم العائلات التي تسكن في هذه المنطقة وأبرزها، إذ أن منزلهم مقام على قبر أحد اليهود الذين دفنوا في هذا المكان، عندما كان مقبرة جماعية، حيث كانوا يأتون سنوياً لزيارة المقام الخاص بهم، لكن مع احتلال فلسطين، واندلاع المواجهات انقطع مجيئهم نهائيًا”.

وأوضح أبو زكي، أن العائلات الفلسطينية ذات الديانة اليهودية كانت تشتهر بتجارة القمح والشعير، وبيع الأدوية التي يتم استيرادها من مدينة مصر، إلى أن امتلكوا “بابور الطحين” لطحن القمح، كما يطلق عليه باللهجة الغزية، وكانوا يعتزون بالتراث الفلسطيني ويتمسكون به.

وعن أبرز العائلات التي تقطن في حارة اليهود يضيف: “أن هناك مجموعة من العائلات ذات الاسم البارز وكان لهم نصيباً من السكن في هذه المنطقة منذ بداية نشأتها، وبعد خروج اليهود منها، فمنهم عائلة “عوض، العايضي، جحا، الحج أحمد، عطا الله، علي حسين، المدهون، الصوص، دلول، حسونة وصباح”.

التآخي والتسامح الديني

وفي الحديث مع دكتور التاريخ وعلم الآثار ناصر اليافاوي، “يجب النظر لهذا الموضوع من جانب طبيعة التآخي في فلسطين قبل الاحتلال الصهيوني عام 1948م، بين الفلسطينيين والمسيحيين واليهود على هذه الأرض، وكان من حقهم حرية التنقل في أي بقعة جغرافية في تلك المدة، من رفح حتى النافورة، وكانوا يعاملون معاملة أهل الذمة”.

وأضاف اليافاوي لـ“قُدس الإخبارية”، “فكان هناك مجموعة من اليهود الذين جاؤوا قبل الاحتلال الإسرائيلي إلى أرض غزة واستقروا فيها فترة من الزمن، وافتتحوا مطحنة لطحن القمح والشعير “بابور”، حيث كانوا يمارسون أعمالاً متنوعة كالتجارة وغيرها من الأعمال، فكانت نقطة ارتكاز لأعمال التجارة بين غزة ومصر”.

ويتابع اليافاوي، “أنهم قنطوا واستقروا فيها مدة من الزمن، على مساحة أرض تقارب 4 دونمات، وعاشوا في أمان وكونوا علاقاتهم مع أكبر العائلات الفلسطينية، إلى أن تم بيعها بـ 40 قرشاً من قبل يهودي، بعدما أصبحت مقبرة لجثت اليهود الذين توفوا، ومن ثم تملكتها زارة الأوقاف”.

وبحسب دكتور التاريخ، فان “هؤلاء اليهود كان لهم علاقات تجارية مع تجار حارة اليهود في منطقة جمهورية مصر العربية قبل الاحتلال، وكانت تسمى المملكة العربية المتحدة على زمن الملك فاروق”.

وأشار إلى أن غزة احتاجت لعملية توسيع وإصلاحات بزمن الحاكم المصري ويدعى “خفاجة”، مما اضطر إلى هدم منازل الأهالي المقامة على شارع صلاح الدين، بهدف التوسيع، مشيراً إلى أن الحاكم قام على تقسيم الأرض ليوزعها على المتضررين من السكان الأصليين.

“وبعد حرب حزيران وسقوط غزة في عام 1967م تحت الاحتلال الإسرائيلي، طالب بعض اليهود الذين يحملون الجنسية الصهيونية حقهم في هذه الأرض تحت مزاعم عدة، واستغلوا هذا الموقف وطالبوا بتعويض رسمي من العائلات المقيمة هناك، إلا أنّه وبإرادة سكان غزة الأصليين وثبوت أوراقهم الملكية، استطاعوا التصدي لذلك وباءت محاولاتهم بالفشل”، بحسب علم الأثار.

إن معالم حارة اليهود التي ظلت تحمل اسم اليهود تغيرت، واختفت المقبرة تحت العمارات السكنية والمباني التي تقطنها عائلات فلسطينية مشهورة، ليظل اسمهم مرتبطاً بهم، ويصبح شأنها شأن الكثير من المعالم الأثرية في غزة، الذي لم يمحه غبار النسيان.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى