مدوّنات

استدراج “إسرائيل” إلى الفخ الغزاوي

في ذروة الانشغال الإسرائيلي بأحداث غزة الجارية، وسيطرتها على النقاش السياسي والحزبي في “إسرائيل”، ازداد مستوى الحديث حول مستقبل غزة، وإمكانية إعادة احتلالها من جديد، والتهديد المستمر بهذا الأمر من قبل قادة العدو، أو من خلال ما يتم إيصاله من رسائل بغرض “تخويف” المقاومة من فكرة إعادة احتلال غزة وأنه يتجهز لضرب أهداف نوعية.

العدو الصهيوني يواجه ورطة استراتيجية حقيقية فيما يتعلق بقطاع غزة، لأنه يتعرض لتهديد حقيقي من قبل المقاومة، وما تشكله من حالة اشتباك مستمر ودائم مع العدو، إلا أنها لا تستطيع في الوقت ذاته أن تتحمل كلفة إعادة احتلال القطاع.

خلال مقالي هذا أحاول البحث في فكرة: هل المقاومة الفلسطينية خائفة ومردوعة كما يعتقد الاحتلال الصهيوني من إعادة احتلال القطاع؟ وما هو إمكانية أن تتخذ المقاومة قراراً باستدراج الاحتلال لعمق القطاع، في ظل انسداد كل الطرق الجارية الآن لإنهاء حالة الحصار المفروض على قطاع غزة ووقف العدوان الصهيوني المستمر؟

التداعيات السياسية على “إسرائيل”

دخول الاحتلال الإسرائيلي إلى مصيدة غزة، ذلك أن جيش الاحتلال سيجد نفسه أمام تحمل أبعاد أمنية واقتصادية وسياسية خطيرة للغاية، فقطاع غزة الذي يعيش فيه أكثر من 2 مليون نسمة، وتصل معدلات البطالة إلى 60%، فالفلسطينيين بغزة بحاجة لتوفير خدمات المياه، والكهرباء، والغذاء، والعلاج، والبنى التحتية، والتشغيل، والتعليم.

وقد أوضح في وقت سابق  القائد السابق للقوات البريطانية في أفغانستان الجنرال ريتشارد كامب: أن وجود “إسرائيل” في قطاع غزة سيكلفها ثمنًا فادحًا لن تستطيع تحمله، ويتطلب منها تجنيد المزيد من قواتها والاستعانة بجيش الاحتياط، كما ستؤدي لحصيلة قتلى وإصابات كبيرة للغاية في صفوف الإسرائيليين، كما سيفرض على “إسرائيل” أيضا عزلة سياسية، وإضرارًا كبيرًا باقتصادها، وتراجعًا حادًا في مستويات السياحة إليها.

كما يعتقد إيهود باراك، رئيس الحكومة ووزير الدفاع الصهيوني الأسبق أن دولة الاحتلال ستواجه تسونامي سياسياً وديبلوماسياً في حال أعادة احتلال القطاع، وأن ذلك غير واقعي ويعني الغرق في أوحال غزة، وهذا لا يضمن إزاحة حماس من المشهد السياسي أو حتى إضعاف المقاومة، ناهيك عن كلفته الباهظة سياسياً وإعلامياً واقتصادياً (مليار شيكل شهرياً التكلفة المباشرة فقط لإعادة احتلال غزة).

يشكك بعض المحللين الإسرائيليين في قدرة جيش الاحتلال على حسم المعركة بسرعة، أو التقليل من فاتورة الخسائر البشرية التي ستقع في صفوفه. والتحذير من أن إيقاع خسائر كبيرة بين صفوف المدنيين الفلسطينيين ستكون له تبعات سلبية كبيرة على إسرائيلي، من الناحيتين السياسية والقانونية، وتوليد استنكار على المستوى الدولي.

وجود الاحتلال في قطاع غزة وسقوطه في فخ الاستدراج قد يجبر قيادة السلطة على اتخاذ قرارات لا تزال تتجنب اتخاذها، وإلا تواجه خطر السقوط شعبياً، منها: الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، واستمرار وتصاعد المقاومة الشعبية التي قد تصل الى انتفاضة، وستزيد من شرعية العمليات العسكرية التي تنفذها المقاومة الفلسطينية على امتداد الأراضي الفلسطينية، ووقف التنسيق الأمني، وسحب الاعتراف بـ”إسرائيل”، والدعوة إلى مقاطعتها وملاحقتها وفرض العقوبات عليها جراء جرائمها السابقة واللاحقة، إضافة إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية بموجب قرار من مجلس حقوق الانسان، لاسيما أن خسائر الفلسطينيين من إعادة احتلال غزة يمكن أن تصل إلى الآلاف.

التداعيات العسكرية

خلال السنوات التي انقضت منذ انتهاء حرب 2014، قامت المقاومة بإجراء تغييرات على الكثير من طبيعة عملها وتدريباتها وتسلحها، فقد مرت المقاومة بحملة لاستخلاص الدروس والعبر للاستفادة من تلك الحرب، والاستعداد جيداً لطبيعة المواجهة المقبلة، في ضوء التغيرات التي طرأت على واقع ساحة القتال المستقبلية.

هذا الفهم الجديد ترجمته المقاومة في إعادة بناء قواتها، وتشكيلاتها العسكرية، بما يتلاءم مع المعطيات المستجدة، هذا الأمر يشير بصورة واضحة إلى أن “إسرائيل” تواجه بالفعل مقاومة تتعلم من دروسها جيداً، وتستطيع النظر إلى العدو الإسرائيلي بصورةٍ فاحصة. إن عمليات الإعداد والتجهيز التي تقوم بها المقاومة باستمرار تكشف عن حجم الجهود التي تبذلها في تطوير المنظومة الصاروخية لديها، على أن تطال مدى القذائف الصاروخية معظم مناطق الجبهة الداخلية، والحصول على أسلحة ووسائل قتالية لم تكن بحوزتها من قبل.

كما قامت المقاومة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة بحملة تجنيد وتدريب للآلاف من أبناء القطاع في ضوء تحضيراتها لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد مع دولة الاحتلال، كما وتهتم المقاومة بتدريب قوات النخبة الخاصة لديها على مختلف الوسائل القتالية الجديدة التي من شأنها منحهم تفوقاً ميدانياً في حالة خوض أي مواجهة، ولم تكتفِ المقاومة الفلسطينية بالتدريبات التقليدية لمقاتليها، بل قامت خلال السنوات الأخيرة منذ انتهاء حرب العصف المأكول بإجراء العديد من المناورات العسكرية كان آخرها مناورة الصمود والتحدي، حيث بدت كما لو أنها جيش نظامي، وليس “منظمة تخوض حرب عصابات”.

وبما أن المناطق الحدودية مكشوفة للاحتلال، ترى المقاومة أنه من الأفضل أن تكمن في المناطق السكنية المبنية، بحيث تستغل، في إطلاق القذائف الصاروخية، ومفاجأة القوات الإسرائيلية في أي قتال بري قد يحصل، وبذلك تحولت كل مدن ومخيمات وحارات القطاع إلى قواعد عسكرية مكثفة ومحصنة، لتشكل جزء من استراتيجية الدفاع ، فقد بنت المقاومة شبكات أرضية من الانفاق القتالية، بداخلها طواقم مدربة ومعدة جيداً للعمل في ظروف الأنفاق تحت الارض، كما استطاعت المقاومة ببناء شبكات اتصالات سرية متقدمة، بهدف التنسيق الميداني بين مختلف وحداتها القتالية وأذرعها وقياداتها، وتقديم الدعم اللازم والمساعدة المطلوبة لأي وحداتٍ تطلب النجدة أثناء المواجهة .

المقاومة باتت تضع في حساباتها العسكرية وضمن خططها العسكرية استدراج العدو الصهيوني لعملية برية واسعة في قطاع غزة، لذلك يبدو لي أنه خلال السنوات السابقة قامت المقاومة بإعداد الخطط وبناء قوتها العسكرية وفقاً لهذا السيناريو، وقد شملت تدريباتها وتجهيزاتها الاستعداد الجيد للواقع المقبل. لذا قد نلمس رغبة من قبل المقاومة في المرحلة المقبلة بنقل ميدان المواجهة المقبلة من المناطق المفتوحة إلى مركز القطاع المكتظ بالسكان.

بمعنى آخر، إذا ما أراد جيش الاحتلال الإسرائيلي قطع الطريق أمام المقاومة لإطلاق القذائف الصاروخية باتجاه مدن العدو ووقف أدوات المقاومة الشعبية ولم يستجب لشروط المقاومة، فإن ذلك يتطلب منه القتال في مناطق سكنية مزدحمة وهو ما قد تسعى له المقاومة فينتج عن ذلك تركيز قدرات المقاومة العسكرية على تهديد الجبهة الداخلية العسكرية واستنزاف قوات الاحتلال في أزقة وشوارع القطاع، حيث تستطيع تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية:

أولاً: منع سلاح الجو الصهيوني من الحصول على ثمن استراتيجي باهظ خلال مجريات الحرب المقبلة، ولذلك تعمل المقاومة على نشر كميات كبيرة من القذائف الصاروخية طويلة المدى في مختلف أنحاء القطاع، وإنتاج مئات القذائف بهدف شل قدرات الطيران الإسرائيلي، والحيلولة بينه وبين تحقيقه نتيجة مستقبلية هامة.

ثانياً: المحافظة على إطلاق قوة نارية مكثفة، حتى لو حصل ذلك في ظل وصول الجيش الصهيوني إلى مناطق القطاع، وهو ما قد يسهم في تقوية وتعزيز قدرة المقاومة في المواجهة القادمة.

ثالثاً: وجود تناسق والتحام بين المقاومة الشعبية والمقاومة المسلحة، فالأخيرة ولدت من رحم الأولى، فالمقاومة المسلحة قبل أن تكون بالبندقية والصاروخ بدأت بالحجر والسكين، وعليه فإن وجود المقاومة شعبية دليل على أن الشعب الفلسطيني بغزة بأكمله مجمع على خيار عدم شرعية وجود الكيان الإسرائيلي.

 المقاومة الشعبية والضجة الإعلامية التي تحدثها إن كان بذاتها أو نتيجة حجم الجرائم التي يقوم بها الكيان في سبيل مواجهتها لها الدور في إعادة القضية الفلسطينية إلى أولويات الاهتمام العربي والدولي، خاصة مع وجود مسعى من قبل بعض الحكومات والأنظمة لضرب هذه القضية وتمييعها.

في نظر المقاومة، فإن الجيش الصهيوني قادر عملياً على احتلال القطاع بقوته العسكرية لكنه غير قادر على تحديد مائلات وجوده بالقطاع وحجم الكارثة التي ستحل بقواته على الأرض وفي شوارع وأزقة المخيمات، لذلك فإن أساس القدرات الدفاعية التي تجهزها المقاومة في القطاع تهدف إلى: إبطال مفعول الإنجاز البري الإسرائيلي، والسعي نحو إحداث شكوك عريضة في مستوى ثقة الجمهور الصهيوني بمؤسسة الجيش، ما قد يؤثر على إدارة العدو لمجريات المعركة.

وهنا أذكر إحدى عمليات الاستدراج بالمستنقع الفيتنامي حيث يصف الملازم “وليام ريختر” المستشار العسكري في الجيش الأمريكي، بحرقة وألم كيف تم استدراجه هو وجنوده الى أحد الكمائن من قبل الثوار الفيتناميين، حيث قال: “لقد تركونا ندخل المصيدة، وأغلقوا بابها وراءنا، ثم قاموا بمجزرتهم، وقد تركناهم يفعلون ذلك دون حذر”.

فالمقاومة الفلسطينية لا تقلد جيوشاً نظامية في استخلاص العبر من الحروب السابقة، وإنما تسعى للاستعداد للحرب القادمة، ما يجعل جيش الاحتلال يواجه مقاومة قوية بما فيه الكفاية وتزيد من قوتها وقدرتها يوماً بعد يوم.

وهنا أختم، أنّه على الجيش الصهيوني أن يحضر لإجاباتٍ عملية أمنية تقدم حلاً منطقياً لما تعده له المقاومة في قادم الأيام ومنها استدراجه لمجهول غزة، ولنا كفلسطينيين يمكن القول كل الخيارات لا زالت مفتوحة، في ظل ظروف الحصار الخانق الذين نعيشه، وأنه لا يوجد ما يمكن أن نخسره. ويجب على أبناء الشعب الفلسطيني ألا يخافوا من أي مخطط إسرائيلي لشن عملية برية واسعة لاحتلال قطاع غزة أو استدراجها لذلك، على اعتبار أن أي عملية عسكرية ستبقى أفضل من الواقع البائس الذي يحيياه الفلسطينيون في القطاع.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى