مدوّنات

مذكرات من مسيرة العودة الكُبرى

“فلاش باك”

الذهن الشارد في سيل الدعوات وأمواج التحشيد، التائه في الترقُّب وانتظار صباح غدٍ الجمعة وما ستؤولُ إليه الأمور، يطيرُ به الخيال وترجِعُ به الذاكرة إلى مشاهد الغرس الأوّل لمسيرة العودة الكبرى عام 2011.

آذار 2011، في أوْجِ أحداث الربيع العربي، توالتْ الدعواتُ من الشباب العربي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” لتنظيم مسيرة العودة الكبرى إلى فلسطين أو ما اشتُهِرت يومَها بـ”الانتفاضة الفلسطينية الثالثة”، من مصر والأردن وسوريا ولبنان، من غزّة والداخل المُحتل والضفة ودول المغرب العربي وحوْل العالم. انتشرت الدعوةُ كالنار في الهشيم، قرّر الشباب العربي عودةً إلى فلسطين بمسيراتٍ شعبيةٍ حاشدةٍ وسلميةٍ، ستجتازُ الحدودَ مع الأرض المحتلة في ذكرى نكبة فلسطين وقيام الكيان الصهيوني في 15 مايو.

ستمنعُ قوات الجيش والشرطة في الأردن ومصر آلاف الشباب من الوصول إلى الحدود مع الأرضِ المُحتلة، ثمّ ستنتقلُ المظاهراتُ لحصار مقرّ السفارة الصهيونية في القاهرة قبل أن تُفرّقها قوات الأمن لاحقاً. في فلسطين، تحوّلت الفعاليات إلى مواجهاتٍ مع قوّات الاحتلال في نقاط التّماس. في لبنان، وصل الآلاف إلى الحدود مع فلسطين المحتلة، بادر الجيش الصهيوني بإطلاق الرصاص الحي وقذائف المدفعية، ارتقى ما يقرُبُ من 20 شهيداً، وجُرِح المئات، ثمّ تدخّل الجيشُ اللبنانيُّ لسحب الشباب، منعاً لوقوع المزيد من الضحايا.

أمّا المشهدُ الملحميُّ فكان على الحدود السورية الفلسطينية؛ التي ستشهدُ زحفاً هادراً يجتازُ هضبة الجولان، يدخل الأرض المُحتلّة، فيفتح أهالي قرية مَجْدل شمس المحتلة أبواب بيوتهم لاستقبال العائدين، وسيرتقي 4 شهداءَ برصاص الجيش الصهيونيِّ. لاحقاً، سيقوم الجيشُ الصهيونيُّ باعتقال العشرات وإبعادهم، ومرّت أحداثُ هذا اليوم لتبقى جمراً تحت الرماد إلى أن أذِن الله لها بالاتّقاد مُجدّداً على حدود غزة بعد 7 سنواتٍ، حيثُ لم يكن من خيارٍ لها بعد كلِّ ما مرّ من سنوات الحصار والعقوبات، وعندما وجدت نفسها وحيدةً في المعركة؛ كان لا بدّ أن تخلُق طرائق المواجهة من داخلها.

في غزة، حصارٌ يَطالُ مناحي الحياة، يضرب عصبها في أساساته، 3 حروبٍ مدمّرة فتكت بها، ولا زالت عنقاء ساحل فلسطين تنبعثُ مُجدّداً من تحت كلِّ رماد. بعد الحرب الأولى عام 2008، انبعثت فأطلقت صواريخها تجاه “تل أبيب”، في حين وسّعت دفّتها في المرات اللاحقة لاتّجاهٍ مُعاكسٍ على أرض الخنادق والأنفاق والراجمات، التي تبتلعُ في باطنها الأسرار والأسرى والأهوال. ومع ذكرى يوم الأرض، في الثلاثين من آذار المجيد لهذا العام، ستخرُجُ غزّة بلحمِها الحيّ، ستزحفُ إلى حدود الأرضِ المُحتلّة في مسيرتها الخالدة التي لا زالت مشتعلةً حتّى كِتابة هذه السطور.

مسيرة العودة الكبرى ومخيّمات العودة

ستنبعثُ مسيرة العودة الكبرى من جديدٍ، يظهر الاسم ويُتداول المعنى. تمرّ الأيام بانتظار الثلاثين من آذار، وتبدأُ الترتيبات؛ تشكّلت الهيئة العُليا لمسيرة العودة الكُبرى من عددٍ من الشباب المُؤمن بالفكرة، العاملِ لها، وبإمكانات القطاع البسيطة. ثمّ حُدّدت 5 مخيماتٍ كُبرى في محافظات القطاع الخمسة على الحدود الشرقية، على مرمى حجرٍ من فلسطين المحتلة في مخيّمات العودة -هذا الاسم الذي سنحفَظُه طويلاً وسنرتبطُ بذكرياته معنا؛ هذه الأرضُ التي نحبّها وتُحبُّنا. هناك، نُصِبت الخيام التي تحملُ أسماء القرى المُهجّرة، ورُفِعَت السواتر، ووُضِعت خزّانات المياه، وبدأ مشوارنا الأطول في عودتنا الكُبرى.

على الموعد

كتبتُ هذه السطور وأنا أسهرُ برفقة مجموعةٍ من الأصدقاء في مخيّم النصيرات، كانت من الليالي الأطول في حياتي؛ ساعاتٌ قليلةٌ تفصلُنا عن يوم الجمعة المشهود، عن الفعالية التي حَشَدنا ودَعَوْنا لها وانتظرناها طِوال أسابيع، ونحنُ لا نعلمُ حقاً إلى أين ستسيرُ الأمور. ما علمناه شيءٌ واحدٌ فقط؛ أنّنا غداً سنصلُ حدود الأرض المحتلة، سنكتحِلُ برؤية جُزء فلسطين القابع خلف السياج الزائل. سنحاول أن نصلها، أن نُعانق ترابها و نملأ صدورنا بهوائها؛ هذا اللقاء الذي تأخر سبعين عاماً، وقد آن أوانه الآن!

قصدنا عودةً حقيقيةً، كان سقفُنا عالياً، والنيّة منذ البداية كانت اختراقَ الحدود، وكذلك استمرار مسيرات العودة حتّى الجمعة التي تصادف ذكرى النكبة في 14 أيّار، وشاءت الأقدار أن تستمرّ إلى أبعد من ذلك.

ما كان يلفتُ النظر ويُثير الإعجاب أن الدعوات التي ملأت فضاء العالم الافتراضي، وصلت إلى الشارع، الناسُ هنا ترتكزُ نقاشاتهم وحواراتهم وجلسات سمَرِهم عن المسيرة الكبرى، لا حديثَ سِواه، تتقاطع الآراء والأفكار والاقتراحات ووُجهات النظر، إلا أنّ الفكرة حاضرةٌ وراسخةٌ، والمؤمنون كُثُر.

يا مُسهِّل يا الله .. اللهمَّ بلّغنا الثلاثين من آذار!

اليوم الموعود

صباح الجمعة، الثلاثين من آذار،  يومٌ ربيعيٌّ هادئٌ يلفّ أركان قطاع غزة. كما هو مُعلنٌ، ستكون فعالية مدينة غزة على الحدود الشرقية للمدينة في مخيم العودة، الواقع قُبالة موقع “ملكة العسكري”، وفق برنامجٍ كاملٍ أعدّتهُ اللجنة الوطنية العُليا لمسيرة العودة الكبرى؛ ستبدأ الفعاليات بصلاة الجمعة في ساحة المخيم، ثمّ الاعتصام السلمي على الحدود في الخيام المنصوبة، وكنّا قد تبيّنا ليلتها من الإجماع الشعبي على الحضور والمُشاركة الفاعلة.

توجّهتُ برفقة أحد الأصدقاء إلى مُخيّم العودة شرقي غزة، الطريقُ مغلقةٌ أمام السيارات على بعد كيلومتر تقريباً من المُخيّم بحواجز الشرطة والدفاع المدني تحسُّباً للطوارئ، ولإفساح المجال لسيارات الإسعاف بالمرور دون عائقٍ. أوقفنا السيارة، وبدأنا مسيرَنا مشياً على الأقدام؛ كان المشهدُ الأولُ، الذي لن أنساهُ ما حييتُ، أشبهَ بسيلٍ بشريٍّ يزحفُ تُجاه المخيم. آلاف الشباب والرجال والأطفال والنساء والفتيات لا يحملون سوى أعلام فلسطين ولافتات العودة، تُزيّنُهم الكوفيات، وأعينهم اللامعة، عاقدي العزم، رابطي الجأش، ثابتي الخُطى. موكبٌ صامتٌ يسيرُ بجلالٍ وإكبارٍ نحو الحدود!

وممّا قد يلفت الانتباه أنّ جميع ألوان الطيف الفلسطيني كانت حاضرةً، كما شَهدَت حضوراً نسوياً مُلفتاً. فتيةٌ هنا وهناك يصنعون المقاليع والشدّيدات، يجمعون الحجارة وإطارات المطاط. وفي مدخل المخيم، يمتدُّ الشارع المُتّجه شرقاً نحو الحدود إلى الأبد، أنت ترى الآن مشهداً مُصغّراً يُحاكي يوم العودة الكبرى ومشهده. الشارع مُمتلئٌ عن آخره، لا تجدُ فيه على مدّ بصرك موضعاً فارغاً حتّى لقدمٍ، حتى إنّ مَنْ أراد الإسراع في خطواته، اختار السير عبر الأراضي الزراعية على الجانبين.

قُبَيل صلاة الجمعة، بلغ الحشد ذُروته عدداً، بدأت الجموع بالاصطفاف لصلاة الجمعة في ساحات المخيم، وقفتُ في منتصف الساحة تقريباً، لا أرى نهايةً للحشد، لا من أمامي ولا من خلفي. انتهت الصلاة، بدأت الهُتافات بالعُلوّ، توجّه الشباب نحو السياج الزائل مع الأرض المحتلة، وبدأت المواجهات مع جنود الاحتلال.

كانت هذه اللحظة الملحمية كسراً لهيبة المنطقة الحدودية، ولرهبة الاشتباك المُباشر مع جيش الاحتلال، إذ إنّ هذا الشريط المُمتدّ على طول القطاع كان يُعتَبر منطقةً عسكريةً مُغلقةً، فالدخول إليه انتحارٌ مُطلقٌ، يخلو من كلِّ شيءٍ إلا من مواقع الرصد والمراقبة المُوكلة إلى عناصر المقاومة، وبعضِ المزارعين والرُّعاة من أهلِ المنطقة. وعلى طول جانبه الآخر، تتمدّدُ ثكناتُ الاحتلال وأبراجُ مراقبته.

بدأت مواجهات جمعة مسيرة العودة الكبرى على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة، من مخيمات العودة الخمسة. شبابٌ لا يملكون إلا الحجارة والمقاليع وإطارات المطاط، يُقابِلهم جيشٌ مُدجّجٌ بالرشاشات وبنادق القنْص، شبابٌ أعزلُ مكشوفٌ في أرضٍ جرداءَ يتحدّى جنوداً مُتحصّنين في الدشم والثكنات.

كرٌّ وفرٌّ، رصاصٌ و حجارةٌ، سرايا من الشباب تشُنُّ غاراتها على السياج الفاصل لاقتلاعه أو تجاوُزه، وتنسحبُ إلى الخلف إذا ما اشتدَّ أزيزُ الرصاص. فِتيةٌ يتسابقون لرفع العلم الفلسطيني على السياج الزائل. نساءٌ ينقُلنَ الحجارة، فتياتٌ يُساعِدنَ طواقم الإسعاف، متطوّعون يصنعون محلولاً من الخميرة والماء ويرشّونه على الوجوه لإزالة آثار الغاز المُسيل للدموع. هُتافاتٌ وصرخاتٌ وضحكاتٌ، كان يوماً عظيماً لا تسعُه الكلمات وصفاً، ولا تُوفِيه السطور حقّه نثراً، غزة تضربُ بلحمها الحيّ جدران السجن والخزّان.

انتهى يومُ مسيرة العودة الكبرى مع مغيب شمس الجمعة بارتقاء 19 شهيداً وإصابة المئات. لفّ الحُزنُ أركان غزة، وصبغ الدمُ لوحة العودة، لملمت مُخيّمات العودة جراحَها، واحتضنتْ أهلَها وشبابَها، وما زادها تخلّي الجميع عنها إلا إصراراً وعزماً وثباتاً.

عادت المُخيّماتُ في اليوم التالي عامرةً بالمُرابطين المُعتَصمين. تسيرُ في شوارعها، وتمرُّ على أهلِها، الذين يتسابقونُ لاستضافتك على إبريق شايٍ أُعِدّ على الحطب، أو تمرُّ لتتناول رغيفاً من خُبز صاجٍ أعدّتهُ عجوزٌ طيّبةٌ وجادَت عليه بمَسحةٍ من الزيت ورشّةٍ من الزعتر. كبار السن يُحدّثون الأطفال والشباب عن البلاد الضائعة وذِكرياتها، يغرِسون فيهم أسماء قُراهَم المُدمّرة وتاريخها. مجموعةٌ تلعبُ كرة القدم، آخرونُ يرسُمون لوحاتٍ فنّيةً، جلساتُ قرآنٍ وذِكرٍ، وأحاديثُ ممتدّةٌ مٌتشعّبةٌ، وليالي سمرٍ صيفيةٌ على مرمى حجرٍ من الفردوس المفقود. عزمنا البقاء، ونوَيْنا الاعتكاف والرّباط رغم الجُرح، إذ أنار سماءَنا 19 قمراً عرجُوا إليها ليُرشِدوا ليل التائهين، وليبقى دمُهم بوصلةً تشيرُ إلى فلسطين.

جمعة الكوشوك

عبد الفتاح عبد النبي، 19 عاماً، نجا من رصاص قنّاصٍ صُهيونيٍّ 4 مراتٍ، وأصابَتهُ الرصاصةُ الخامسة في مُؤخّرة رأسه أثناء محاولته استعادة إطارٍ مطّاطيٍّ والعودة به لإشعاله خلال فعاليات جمعة مسيرة العودة الكبرى في الثلاثين من آذار.

عبد الفتاح، الذي أصبح أيقونةً من أيقونات مسيرة العودة الكبرى، والذي وثّقت الكاميرات مشاهد اغتياله الإجرامية، عاد في الجمعة الثانية، جمعة الكوشوك، في أرواح ونفوس الآلاف من الشباب الذين خرجوا ليُشعِلوا آلاف الإطارات المطاطية، ثأراً لعبد الفتاح ووفاءً لذِكراه، واتّقاءً من رصاص القنّاصة الجُبناء. فكانت جمعة الكوشوك في السادس من نيسان إحدى أشهر جُمَع مسيرة العودة. استمرَّ التحضيرُ لها أسبوعاً كاملاً، طافت خلاله فِرقٌ من الشباب المُتطوّعين، الذين عُرِفوا باسم وِحْدة الكوشوك، شوارع القطاع طولاً وعَرضاً لجمْع ما يُمكِنهم جمعُه من إطارات المطّاط لإشعالها خلال المواجهات.

في الجمعة الآنِفة وما سبَقها من أيّام المواجهات على الحدود، كُنّا مكشوفي الوجوه والظهور تماماً، وحْدَنا في مواجهة عشرات الجنود المدجّجين المتحصّنين في دُشَمٍ مُحصّنة، لا يظهر منهم إلا فُوّهاتُ بنادقهم. بينما اليوم، تغيَّرَ الحال، فأصبح بيننا وبين الجنود جبلٌ أسودُ من الدُّخان الكثيف، حجب عنهم الهواء والنظر، وأتاح لنا التقدُّمَ نحو السياج الزائل، بل واجتيازَه نحو الأرض المُحتلة في بعض المناطق و اللحظات.

ما إنْ انتهت صلاة الجمعة، وبدأت الحشود بالتوجُّه نحو خطوط التماس، ظهرت وحدات الكوشوك، تُرافقها مراسمُ استقبالٍ احتفاليةُ. عشرات الشباب تحمِلُهم الشاحنات مع قافلة الإطارات التي جمعوها، تعلو فوقَها أعلامُ فلسطين، وتُطلِق أبواقُها تحيةً وترحيباً.

تتوقّفُ الشاحنات، فيتسابقُ الجمْعُ لحمْلِ الإطارات ونقلها لخطوط التماس، خنادقُ حُفِرت على عجلٍ للاحتماء من نيران القنّاصة، وفِتيةٌ بقلوب الأسود، ينقلون الإطارات ما استطاعوا نحو أقرب نُقطةٍ مُمكنةٍ قبل أن يشعلوها بالنيران، وتبدأ غيومُها السوداء بالارتفاع إلى عنان السماء.

لا تزال تلك اللحظاتُ محفورةً عميقاً في ذاكرتي؛ آلاف الإطارات تشتعل، هدأ صوتُ الرصاص؛ وقفت المراوحُ الضخمة التي وضعها جيش الاحتلال على السياج لدفع الدخان الأسود عاجزةً عن العمل! ومضخّاتُ المياه التي حاولت إطفاء البركان المُشتعل، أصبحت مثاراً للضحك و الاستهزاء، وعمّت عِباراتٌ من قبيل “نحن أقوى، نحنُ الآن من سيتقدم”. حجبت سُحُبُ الدخان عنّا ضوء الشمس وأحالتْ الظهيرة ليلاً. كنتُ في أقصى يسار خطّ المواجهة، كانت الشمس قد سرّبت بعضاً من أشعّتها لذلك الموضع وغيرِه القليل؛ فاتّجاه الهواء فيها يُشتت قليلاً من دُخان الإطارات.

تتبّعتُ مجموعةً من الفتية أعمارهم ما بين الخامسة والخامسة عشر، ممّن يحملون قلوبهم على أكُفِّهم، تسلّلوا رُويْداً رُويْداً تجاه السياج، كالنمور التي تتربّصُ صيدَها، وفي لحظةٍ واحدةٍ انقضّوا بمقاليعهم وأيديهم التي استحالت راجماتٍ تجاه الدُّشْمةَ التي يتحصّنُ بها 4 من قنّاصة الاحتلال، والذين أربكتهم سُحُبُ الغضب السوداء القادمة من يمينهم، وحجبت عنهُم رفاقَهم وجيبّاتهم العسكرية. تقدّم الفتية تجاه القنّاصين بهجمةٍ واحدةٍ وأمطروهم بصِليات الحجارة، حجارةٌ تنهمِرُ كزخِّ المطر. ودون سابق إنذارٍ، هربَ القنّاصة من مكانهم، وتركوا الدُّشْمةَ فارغةً تماماً. شغّلتُ كاميرا هاتفي المحمول، واندفعنا دون وعيٍ تجاه السياج الزائل، وسُرعان ما تدفّق سيلٌ من الشباب خلفنا، البعض اعتلى السياج، وآخرون رفعوا علم فلسطين عليه، آخرُ قام بتحطيم وحدةٍ إلكترونيةٍ للتحكُّم.

لحظاتٌ تاريخيةٌ لا تتكرّر، ثوانٍ قليلةٌ وكنّا سندوس تُراب أرضِنا المُحتلة ما بعد السياج، قبل أن تُدوّي زخّاتُ الرصاص تجاهنا، مُجبِرةً إيانا على الانسحاب. لا زال صدى الصوت يُدوّي في أعماق نفسي “شررردوا اليهووود شردوا .. قدّموا يا شباب”. (فيديو)

ما بين الجمعة والجمعة

تحدّثتُ سابقاً كون الشريط الحدوديِّ المُمتدِّ على طول القطاع استحال منطقةً عسكريةً مغلقةً، وعن مُواتِ المنطقة إلا من بعض عناصر المقاومة والمزارعين. في حين أنّ قيام مُخيّمات العودة وبِدْءِ فعاليّاتها جعلا الروح تدبُّ في شريط الموت الحدوديِّ، أصبحت المُخيّماتُ مزاراً للعائلات والأُسَر.

بعيداً عن أجواء الاشتباك على خطِّ التماس، ثمّةُ حياةٌ ثانيةٌ في الشريط الحدودي الممتدّ بعُمق 700 مترٍ تقريباً، وما بين الجمعة والجمعة، حيثُ تشتدُّ المواجهات، تكونُ أيام الأسبوع المتبقّية عامرةً بالفعاليات الشعبية المختلفة في المخيمات، وحيّةً بالعوائلُ الوافدة من كلّ محافظات القطاع، والتي تشجّعت على التوجّه هناك في كنف الحشد الجماهيري. وبهذا، أصبحَ لغزة مُتنفّسٌ جديدٌ غير البحر الذي لم يسلم، هو الآخر، من حرب الاجتثاث و الإبادة تُجاه غزة، فأضحى صفْوُهُ معكّراً بمياه الصرف الصحيِّ. في حين أصبحت المُخيّمات عامرةً بالزوار والضيوف والبائعين الجوّالة، واستحالتْ مُتنزّهاً ومُتنفّساً للقطاع المخنوق وأهله، خاصّةً ما يمنحُه المكان من أمل العودة في قلوبهم، على مقرُبةٍ ومرأًى من الأرض المحتلّة، في تمثُّلٍ جليٍّ للخبرِ الذي يُبلَغُ أوّله بالنظر!

في عشق الغاز المسيل للدموع

غزة التي واجهت 3 حروبٍ مُدمّرةٍ في 6 سنواتٍ فقط؛ غزة التي في وُسع أطفالها أن يُخبِروك بدقّةٍ نوع طائرةٍ أطلقت لتوّها صاروخاً بمجرد سماع صوته. هذا الجيل الذي لم يُدرك الانتفاضة الأولى، ولم يعتدْ فيها أجواءَ المواجهات وجهاً لوجهٍ مع الرصاص والغاز المُسيل للدموع والمياه العادمة، قد كسر كلَّ التوقّعات في مسيرات العودة هذه.

ثمّة علاقةٌ غريبةُ حقاً ربطتنا بالغاز المُسيل للدموع، هذا الدخان الأبيض الملعون، الذي يُشعل النار -حقيقةً لا مجازاً- في العينين والوجه، وتتلوّى منهُ ألماً وحُرقةً، وتعلو منك تمتماتُ اللعنات والشتائم على من صنعه ومن أطلقه، كأنّما تربطُك به حالةُ إدمانٍ؛ فالسرعةُ التي تنسحبُ فيها من الخطِّ الأول بعد استشاقك له، تعودُ بذاتها بعد أن يذهب أثرُهُ، وكأنّك تبحثُ عن جرعةٍ جديدةٍ منه. تنبعثُ قنابل الغاز المسيل للدموع من راجماتٍ مثبّتةٍ على جيبّات الهمر الأمريكية، تقف أمام الحشد الذي يُلاحِقُها بالحجارة، لتبدأ القصف الذي يمتدُّ فوقَك كأذرُعِ الأخطبوط، وتُدرِك الراجمةَ من صوتها الذي تحفظُه جيداً “تك تك تك تك”، قبل أن تتلوّن السماءُ والأرضُ باللون الأبيض من كلِّ حدبٍ وصوب. ثمّ تستحضِرُكَ سطورٌ من قصيدة تميم البرغوثي:

ويصبح الغاز فوقهم قطعاً      أو السما فوقه هي القطعُ

وتُطلبُ الريح وهي نادرةٌ          ليست بماء لكنّها جُرعُ

ثم تراهم من تحتها انتشروا    كزئبقٍ في الدّخان يلتمعُ

لكي يُضلّوا الرصاصَ بينهمُ       تكاد منه السقوفُ تنخلعُ

حتى تجلّت عنهم وأوجهُهُم      زهرٌ, ووجهُ الزمان منتقعُ

كأن شمساً أعطت لهم عِدةً      أن يطلع الصبح حيث ما طلعوا

تعرفُ أَسماءَهُم بِأعيُنِهِم           تنكّروا باللّثامِ أو خَلَعوا

رسالةُ امتنانٍ جمّة لكلِّ المتطوّعين والمتطوعات، أولئك الذين يُعدّون محلول الماء بالخميرة، ويضعونه في رشاشات رذاذٍ، ويحملون عُبوات المحاليل الملحية؛ يدركوننا بها على وجوهنا لحظة الإصابة، لكلّ الأمّهات اللاتي كُنَّ يوزِّعْنَ علينا حبّات البصل التي تذهب بمفعول الغاز، لأبطال الإسعاف، ولمن أصابتهم قنابل الغاز مباشرةً فاخترقت وجوههم … ألف عافية وسلامة!

غارات الدخول إلى الأرض المحتلة

الجمعة، السابع والعشرون من نيسان، المشهد الملحميُّ المهيبُ بكلِّ معانى الكلمة [1]، كان محاكاةً مُصغّرةً لمشهد العودة الكبير؛ عشراتُ الشُبّان في مناورةٍ ذكيّةٍ، اخترقوا السياج الزائل من منطقةٍ بعيدةٍ نسبياً عن مرمى القنّاصة، وعن ساحة المُواجهة المُعتادة منذُ أسابيع. اقتلعوا الأسلاك الشائكة، وأزالوها حقّاً. لحق بهم المئات، داست أقدامُهم ترابَ الأرض المُحتلة، وهجَموا بالحجارةِ على الجنود من مسافة الصفر. لاذَ الجنود المدجّجون بالسلاح هرباً، قبل أن تُنجِدهم دبابةٌ بنيران رشّاشاتها، ثمّ أعقبتها رشقاتُ قنابل الغاز الملعون. يزدادُ العددُ، ويحتشدُ الآلافُ، وتستمرُّ المواجهةُ داخل حدود الوطن السليب إلى قُبيل مغيب الشمس. يتردّدُ في عقلك -وأنتَ تتابعُ المشهد- صدى أبيات تميم البرغوثي وهي ترتسمُ فعلاً واقعاً على الأرض:

لو صادفَ الجمعُ الجيْشَ يقصدُهُ   فإنّه نَحوَ الجيشِ يندفعُ

فيرْجِعُ الجُندُ خطوتينٍ فَقَط         ولكِنْ القَصْدُ أنّهُم رَجعوا

أرضٌ أُعيدَت ولو لثانيةٍ              والقومُ عزلٌ والجيشُ مُتدرّعُ

طرائف من على خط النار

ويحدُثُ أن يبلُغ منك الحرُّ والعطش مُبلغاً، حيثُ شمسُ الصيفِ حارقةٌ، ولهيبُ الإطاراتِ المشتعلة يُحيل الأرض إلى جهنّم مُصغّرةٍ، كرٌّ وفرٌّ وغازٌ مُسيلٌ لا يرحم، فيَجُود عليك القدر بصديقٍ أو أخٍ تجمَعُك به موجةُ انسحابٍ، فيُناولك كأساً من البرّاد تُطفئ به بعضاً من لهيب المواجهة وحرّها، ثمّةُ مُتَنفّسٌ لتناول كأسٍ من المثلجات بين الجولة و الجولة!

خلال مواجهات الجمعة الرابعة، في العشرين من نيسان، وعلى بُعد بضعةٍ أمتارَ منّي، سقط شابٌّ أرضاً بعد أن استهدفه قنّاصٌ صهيونيٌّ برصاصةٍ في الجزء العلويِّ من ساقه، وكانت مَعيّةُ الله حاضرةً كما تشاهدون، اخترقت الرصاصة بنطال الشاب واستقرّت في هاتفه الجوال، وقام من فوْرِه يُهلّلُ ويكبِّرُ قبل أن تصلهُ طواقم الإسعاف. الحمد لله! وشكراً للصخرة “نوكيا”!

طائراتٌ صغيرةٌ بدون طيارٍ، استخدمها الاحتلال للتصوير، طُوِّرت -أساساً- لزيادة مدى إطلاق قنابل الغاز المُسيل للدموع إلى مسافاتٍ أكبر، وتصلُ للمناطق التي لا تطالُها راجماته الأرضية. وفي مواجهتها، أطلق شابٌّ غزّيٌّ طائرته الورقية رابطاً بها شبكةً في محاولةٍ لصيد هذه الطائرات. نعم أنتَ في غزّة، هنا نصطاد الدُّرونَ بشِباك الصيد، علقت الطائرة في الشبكة وتوقّفت مراوحُها عن العمل، فعلا صوتُ التكبير ساحةَ المواجهة؛ ” الله أكبر.. الله أكبر”، سَحب الشابُّ طائرته الورقية، والتفّ حوله المئات لمساعدته أو لذهولهم ممّا حصل. في الفيديو صوتُ الطفل مصطفى الرنتيسي يعلو موثّقاً هذه اللحظة: “وقعنا طيارة .. وقعنا طيارة “.

على خط النار

المواجهات كرٌّ وفرٌّ، صولاتٌ و جولاتٌ، في بعض اللحظات، ترجِحُ لنا الكفّة، نتقدّمُ، نصلُ السياج الزائل، قد يشتدُّ الوطيسُ ويعلو أزيزُ الرصاص؛ فتُسرِعُ للاحتماء بما تيسّر. في بعض اللحظات، لا مفرَّ من التراجع؛ تُحاصِرُك النار، ويتربّصُ بك القتلة، أو على بُعدِ أمتارٍ من الأرض المحتلة، يُصبح لوحُ الزينكو درعَك الوحيد، في هذه النقطة بالتحديد، لم يكن يفصلنا عن بقيّة فلسطين غيرُ سياجٍ وقنّاصٍ جبانٍ وبضعةِ أمتار!

تشكيلات الميدان

وحداتٌ متعدّدةٌ تشكّلت وظهرت في ساحات العودة، صقلتها التجارب وعركتها الأيام، وذاعت شُهرتُها بصنيعها، شكّلها أبناء غزّة الذين ذاقوا من الفقر والجوع والحصار والحرمان، والملثّمون بكوفياتهم وأقنعتهم حفظوا وجه الأرض وتضاريس ساحة الاشتباك، فتشكّلت وحدات الكوشوك التي تقوم بجمع الإطارات المطّاطية ونقلِها وإشعالها على طول خطوط المواجهة، ووحدات قصّ السلك التي تتسلّحُ بما تيسّر من مُعدّاتٍ لإتلاف وقصِّ السياج الفاصل لتميكن الشبان من الدخول إلى الأرض المحتلة. كانت هناك أيضاً وحدات البلالين الحارقة التي حملت اسم “أبناء الزواري”، وفاءً وتخليداً لذكرى المهندس التونسي الشهيد “محمد الزواري”، رائد مشروع “طائرات بلا طيارٍ” للمقاومة الفلسطينية.

ترسانة المواجهات؛ عن الراجمات وكُتل اللّهب الطائرة

كما أوجبت الحاجةُ وجوبَ إطلاق تشكيلاتٍ جديدةٍ تتلاءم مع ميدان المواجهة في غزة، امتدّت هذه الحاجة- التي فرضتها تكتيكاتُ المعركة- إلى أدوات المواجهة؛ إذ لم تقتصر ذخيرةُ المُنتَفِضين بلحمهم الحيِّ على الحجارة وزُجاجات المولوتوف، بل تعدّتها إلى ما هو أبعد من ذلك.

خلف ستار دخّان الكوشوك القاتم السواد، وُضِعت مرايا عاكسةٌ تُبهرُ عيون القنّاصين. كما وُكّلت مجموعاتٌ متخصّصةٌ في التصدّي لقنابل الغاز بالرمل والأواني المغلقة، كما طُوّرت راجماتٌ للحجارة، صُنِعت من زوايا معدنيةٍ مثبّتةٍ في الأرض، لتُلقي كُتل الحجارة إلى مسافاتٍ أبعد.

وفي ما يتعلّق بالشريط الحدوديِّ القاحلِ، الذي لا تجدُ زُجاجات المولوتوف ما تحرقُه فيه، تمتدُّ خلفَه آلافُ الأمتار المُربّعة من الحقول والمزارع والأحراش التي أصبحت أهدافاً للنيران المحلّقة بعد تطويع الطائرات الورقية والبلالين الحارقة؛ هذه الطائرات والبلالين أصبحت سلاحَنا الاستراتيجيَّ في نقل النار واللهب إلى عُمقِ المستوطنات في غلاف غزة.

إذا قُدّر لنا أن نموت، فلن نموت وحدنا على الأقل!

المصدر: باب الواد 

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى