مدوّنات

السيسي يمسك بمفتاح خطة ترامب في سيناء للفلسطينيين

تسابق “إسرائيل” والولايات المتحدة الزمن بشأن غزة. واللغز الذي يسعيان لحله هو: كيف يمكن الاستمرار في عزل هذا القطاع الساحلي الصغير عن العالم الخارجي وعن الضفة الغربية – وقطع الطريق على قيام دولة فلسطينية – دون أن يؤدي ذلك إلى انفجار ثورة شعبية غاضبة في أوساط سكان غزة الذين يبلغ تعدادهم المليونين؟

في غزة، لا يتوفر لدى “إسرائيل” ما تنعم وتستمتع به من وقت داخل الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهما المنطقتان الفلسطينيتان الإضافيتان اللتان تحتلهما. ففي تلك المناطق بإمكان “إسرائيل” الاستمرار في اقتطاع المزيد من الأراضي وتقليص الوجود الفلسطيني، مستخدمة الجيش الإسرائيلي والمستوطنين اليهود والقيود الصارمة المفروضة على حركة الفلسطينيين لكي تستولي على المزيد من الموارد مثل الأراضي والمياه.

غزة: معسكر الموت

بينما تنهمك “إسرائيل” في حرب الاستنزاف هذه مع سكان الضفة الغربية، بات اللجوء إلى مقاربة تدريجية مشابهة في غزة أمراً غير ممكن. فلقد حذرت الأمم المتحدة من أن القطاع ربما يبعد عامين فقط عن التحول إلى منطقة لا تصلح للحياة، فاقتصاده مدمر وموارده المائية غير صالحة للشرب.

انتشرت تقارير كثيرة خلال الأسابيع الأخيرة في وسائل الإعلام الإسرائيلية والعربية حول تحركات تقوم بها واشنطن و”إسرائيل” للضغط على مصر حتى تسلم مساحة شاسعة من الأراضي في شمال سيناء، بجوار غزة، لإقامة مشاريع بنية تحتية بهدف تخفيف “الأزمة الإنسانية” التي يمر بها القطاع

لقد نال من قطاع غزة ما يزيد عن عقد من الحصار الإسرائيلي الصارم، بالإضافة إلى سلسلة من الاعتداءات العسكرية، وأعاده إلى ما يشبه عصور الظلام. وباتت “إسرائيل” في أمس الحاجة إلى حل، وذلك قبل أن يتحول سجن غزة إلى معسكر للموت. والآن، وتحت غطاء خطة دونالد ترامب للسلام، التي باتت تعرف بصفقة القرن، يبدو أن “إسرائيل” على وشك الوصول إلى الجواب.

انتشرت تقارير كثيرة خلال الأسابيع الأخيرة في وسائل الإعلام الإسرائيلية والعربية حول تحركات تقوم بها واشنطن و”إسرائيل” للضغط على مصر حتى تسلم مساحة شاسعة من الأراضي في شمال سيناء، بجوار غزة، لإقامة مشاريع بنية تحتية بهدف تخفيف “الأزمة الإنسانية” التي يمر بها القطاع.

في وقت متأخر من الشهر الماضي أرسلت حماس، التي تحكم غزة، وفداً إلى القاهرة لمناقشة هذه الإجراءات. جاءت تلك الخطوة مباشرة عقب زيارة إلى مصر قام بها جاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب، الذي يباشر الإشراف على خطة السلام في الشرق الأوسط.

استغلال المخاوف المصرية

وبحسب ما جاء في بعض التقارير يأمل ترامب في الكشف عن حزمة مشاريع لإقامة السلام ترتبط بصفقة القرن. تشتمل الحزمة على الالتزام بإنشاء شبكة للطاقة الشمسية، ومحطة لتحلية المياه، وميناء بحري ومطار في سيناء، إضافة إلى منطقة تجارة حرة ملحق بها خمس مناطق صناعية. ومن المفروض أن يأتي معظم التمويل لهذه المشاريع من دول النفط الثرية في الخليج.

يبدو أن المصادر الدبلوماسية المصرية تؤكد ما ورد في هذه التقارير. من المفترض أن يساعد هذا البرنامج على تخفيف المعاناة الشديدة في غزة حيث لا يوجد كهرباء ولا مياه نظيفة ولا حرية حركة. ومن المقرر أيضاً أن يعمل الفلسطينيون والمصريون في إنجاز هذه المشاريع الأمر الذي سيوفر لهم وظائف هم في أمس الحاجة إليها. يجدر الذكر بأن البطالة في صفوف الشباب في غزة تزيد عن ستين بالمائة.

أحد الوزراء في الحكومة الإسرائيلية ما لبث منذ أكثر من عام يقترح إقامة مشاريع بنية تحتية لغزة مشابهة على أرض جزيرة صناعية تقام داخل المياه الإقليمية الفلسطينية، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يرق له المشروع ونأي بنفسه عنه مراراً وتكراراً.

لم يزل من غير الواضح ما إذا كان الفلسطينيون من أهل غزة سيجعون على العيش قريباً من مشاريع سيناء داخل بلدات من المقرر أن تقام للعمال المهاجرين. ما من شك في أن “إسرائيل” تأمل في أن يرحل العمال الفلسطينيون بشكل تدريجي ويتخذوا من سيناء مقراً دائماً لإقامتهم.

في هذه الأثناء ستستفيد مصر من ضخ كميات كبيرة من المال مما سينعش اقتصادها الذي يعاني حالياً من أزمة خانقة، وستستفيد كذلك من البنية التحتية الجديدة التي يمكن أن يستخدمها مواطنوها في شبه جزيرة سيناء التي تعاني من اضطرابات وقلاقل.

من الجدير بالإشارة أن أحد الوزراء في الحكومة الإسرائيلية ما لبث منذ أكثر من عام يقترح إقامة مشاريع بنية تحتية لغزة مشابهة على أرض جزيرة صناعية تقام داخل المياه الإقليمية الفلسطينية، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يرق له المشروع ونأي بنفسه عنه مراراً وتكراراً.

تنفيذ المخطط بدلاً من ذلك داخل مصر تحت سيطرة القاهرة من شأنه أن يربط الاهتمامات الأمنية المصرية تجاه غزة بـ”إسرائيل” ويقضي تماماً على أحلام الفلسطينيين بإقامة دولة خاصة بهم.

عقد كامل من لي الذراع

من المهم إدراك أن خطة سيناء ليست مجرد دليل على تفكير قائم على التمني من قبل إدارة ترامب عديمة الخبرة والغارقة في الوهم. بل تشير كافة الأدلة على أنها طالما حظيت بدعم قوي من مؤسسة صناعة السياسة في واشنطن وعلى مدى ما يزيد عن عقد من الزمن.

يقال بأن واشنطن انضمت إلى الركب منذ عام ٢٠٠٧ عندما استولت حماس على السلطة في غزة وأطاحت بحركة فتح التي يترأسها الرئيس الفلسطيني محمود عباس

قبل أربعة أعوام قام موقع ميدل إيست آي، حينما كان باراك أوباما قابعاً بتمكن داخل البيت الأبيض، بتعقب مسار محاولات “إسرائيل” والولايات المتحدة لي ذراع سلسلة متعاقبة من الزعماء المصريين لفتح سيناء أمام فلسطينيي غزة.

طالما كان ذلك طموحاً إسرائيلياً منذ أن سحبت “إسرائيل” عدة آلاف من المستوطنين من غزة فيما عرف حينها بفك الارتباط لعام ٢٠٠٥ وادعت بعد ذلك زوراً بأن احتلال القطاع قد انتهى.

يقال بأن واشنطن انضمت إلى الركب منذ عام ٢٠٠٧ عندما استولت حماس على السلطة في غزة وأطاحت بحركة فتح التي يترأسها الرئيس الفلسطيني محمود عباس. حينها بادرت “إسرائيل” بمساندة من الولايات المتحدة إلى تكثيف حصارها الشديد على قطاع غزة فدمرت اقتصادها وحالت دون عبور البضائع إليها.

دويلة فلسطينية

من الواضح أن خطة سيناء ستعود على “إسرائيل” والولايات المتحدة بقائمة من الفوائد، منها:

سوف تكرس الخطة الانقسام بين غزة والضفة الغربية وتديمه وستبقي على الشقاق الأيديولوجي بين الفصيلين المتنافسين فتح وحماس.

من شأنها أن تختزل غزة من قضية دبلوماسية إلى قضية إنسانية.

سوف تؤدي بالتدريج إلى إقامة دويلة فلسطينية بحكم الأمر الواقع في سيناء وغزة، وسيكون جلها خارج الحدود التاريخية لفلسطين.

سوف تخلص “إسرائيل” من العبء الذي تحمله على كاهلها من خلال نقل المسؤولية عن تمثيل فلسطينيي غزة إلى مصر وإلى العالم العربي بشكل أعم.

في نهاية المطاف سوف تشجع ملايين اللاجئين الفلسطينيين على الاستقرار داخل الأراضي المصرية، الأمر الذي سينزع منهم حقهم بموجب القانون الدولي في العودة إلى بيوتهم فيما أصبح الآن “إسرائيل”.

سوف ينجم عن ذلك إضعاف مزاعم عباس وسلطته الفلسطينية، التي تتخذ من الضفة الغربية مقراً لها، بأنهما يمثلان القضية الفلسطينية، بل سوف تقوض ما يقومان به من تحركات للحصول على اعتراف من الأمم المتحدة بدولة فلسطين.

وبالنتيجة سوف تخلص “إسرائيل” من العبء الذي تحمله على كاهلها من خلال نقل المسؤولية عن تمثيل فلسطينيي غزة إلى مصر وإلى العالم العربي بشكل أعم.

خطة غزة الكبرى

نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية في صيف عام ٢٠١٤ تقارير تفيد بأن المسؤولين الإسرائيليين يعملون بمباركة من واشنطن على إعداد خطة سميت “غزة الكبرى” من شأنها أن تربط القطاع بشريحة ضخمة من أراضي شمال سيناء. وذكرت التقارير أن “إسرائيل” حققت تقدماً في التفاهم مع القاهرة حول الفكرة.

رد المسؤولون المصريون والفلسطينيون حينها على التسريبات قائلين بأن الخطة مفبركة. ولكن سواء كان لدى القاهرة قبول أو رفض لها، ما من شك في أن ما أعلن في ذلك الوقت شكل تأكيداً إضافياً على وجود استراتيجية لدى “إسرائيل” تجاه غزة تعود لأكثر من عقد.

أثيرت شكوك قبل أربعة أعوام بأن السيسي كاد يقترب من الاستسلام لهذه الضغوط، وقد أكد ذلك محمود عباس نفسه حينما قال في ذلك الوقت في مقابلة مع التلفزيون المصري بأن خطة” إسرائيل” بشأن سيناء “قد قبلها البعض هنا (أي في مصر) للأسف

في نفس تلك الفترة تقريباً، أجرت إحدى الصحف العربية مقابلة مع مسؤول سابق لم تسمه، كان مقرباً من حسني مبارك، الرئيس المصري الذي أطيح به في عام ٢٠١١. قال ذلك المسؤول إن مصر تعرضت لضغوط شديدة ابتداء من عام ٢٠٠٧ لضم غزة إلى شمال سيناء، وذلك بعد أن سيطرت حماس على القطاع بعد الانتخابات الفلسطينية.

وبعد خمسة أعوام، كما يقول نفس المصدر، أرسل محمد مرسي، الذي ترأس حكومة الإخوان المسلمين لفترة لم تطل، وفداً إلى واشنطن حيث اقترح الأمريكان “أن تتنازل مصر عن ثلث سيناء لغزة في عملية من مرحلتين تمتد لأربعة أو خمسة أعوام.”

ويبدو أن خليفة مرسي، الجنرال عبد الفتاح السيسي، ما لبث منذ عام ٢٠١٤ يتعرض لنفس الضغوط.

جزر وعصي

أثيرت شكوك قبل أربعة أعوام بأن السيسي كاد يقترب من الاستسلام لهذه الضغوط، وقد أكد ذلك محمود عباس نفسه حينما قال في ذلك الوقت في مقابلة مع التلفزيون المصري بأن خطة “إسرائيل” بشأن سيناء “قد قبلها البعض هنا (أي في مصر) للأسف. ولا تسألوني أكثر عن ذلك. المهم أننا قضينا عليها.”

وهام هم أنصار “إسرائيل” من المحافظين الجدد، الذين يقال بأنهم ضغطوا على مبارك في عام ٢٠٠٧ أثناء رئاسة جورج دبليو بوش، قد عادوا عبر إدارة ترامب ليؤثروا في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط.

 فريق ترامب إلى الشرق الأوسط بقيادة صهره جاريد كوشنر تبنى من اللحظة الأولى الصيغة الإسرائيلية التي تسمى “من الخارج إلى الداخل” للتوصل إلى اتفاق سلام

ورغم أن السيسي بدا كما لو أنه ثبت في وجه ضغوطهم في عام ٢٠١٤ إلا أن التغييرات الدراماتيكية اللاحقة في المنطقة من شأنها أن تضعف موقفه.

في نفس الوقت يعاني عباس وكذلك حماس من عزلة غير مسبوقة، وبات الوضع في غزة في غاية البؤس. بالمقابل تمكنت “إسرائيل” من تنمية علاقات وثيقة مع دول الخليج بفضل تموضع الطرفين في خندق واحد في مواجهة إيران، بينما تخلت إدارة ترامب عن حتى مجرد التظاهر بالحياد في المساعي التي تبذل لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

والحقيقة أن فريق ترامب إلى الشرق الأوسط بقيادة صهره جاريد كوشنر تبنى من اللحظة الأولى الصيغة الإسرائيلية التي تسمى “من الخارج إلى الداخل” للتوصل إلى اتفاق سلام.

وتتمثل الفكرة في استخدام مقاربة الجزرة والعصا – وهي مزيج من المغريات المالية والإجراءات العقابية – لإجبار عباس وحماس على تقديم تنازلات أكبر لـ”إسرائيل” من شأنها أن تفرغ من كل معنى فكرة الدولة الفلسطينية. والعنصر الأهم في هذه الفكرة تتمثل في أن المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة يمكن أن تجندا لمساعدة “إسرائيل” في جهودها لتطويع القيادة الفلسطينية وإجبارها على المضي قدماً في المشروع.

تشير التقارير الحالية إلى أن مصر تعرضت لضغوط مشابهة من قبل دول الخليج حتى تتنازل عن أراض في سيناء لمساعدة ترامب في إنجاز خطته التي تعرف باسم “صفقة القرن” والتي طال انتظارها.

التهديد الصادر عن جماعة الإخوان المسلمين

توجد لدى السيسي وجنرالاته أسباب وجيهة تجعلهم يترددون في مد يد العون. فبعد أن سلبوا السلطة من حكومة مرسي الإخوانية، لم يدخروا جهداً في فعل كل ما هو ممكن لسحق الحركات الإسلامية المحلية، ولكنهم واجهوا تمرداً داخل سيناء.

تجلى ضعف مصر أمام الإغراءات المالية الخليجية في العام الماضي عندما وافقت حكومة السيسي فعلياً على بيع المملكة العربية السعودية جزيرتين استراتيجيتين في البحر الأحمر هما تيران وصنافير

معروف أن حركة حماس، التي تحكم غزة، هي المنظمة الشقيقة لجماعة الإخوان المسلمين. ولذلك ينتاب جنرالات مصر شعور بالقلق إزاء فتح معبر رفح الحدودي بين سيناء وغزة خشية أن يؤدي ذلك إلى تعزيز الهجمات الإسلامية التي ما فتئت مصر تسعى لاحتوائها. كما توجد مخاوف في القاهرة من أن خيار سيناء سوف ينقل عبء المسؤولية عن قطاع غزة ويضعه على كاهل مصر.

وهنا يكمن رجاء كل من ترامب وكوشنر في أن تؤتي مهاراتهما في “اللف والدوران” أكلها وأن تحقق لهما اختراقاً.

تجلى ضعف مصر أمام الإغراءات المالية الخليجية في العام الماضي عندما وافقت حكومة السيسي فعلياً على بيع المملكة العربية السعودية جزيرتين استراتيجيتين في البحر الأحمر هما تيران وصنافير، واللتان تحرسان المدخل إلى خليج العقبة وإلى قناة السويس.

تسلمت مصر من المملكة مقابل ذلك مليارات الدولارات على شكل قروض واستثمارات بما في ذلك لتمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة في سيناء. والأغلب أن “إسرائيل” وافقت على الصفقة.

يقول المحللون إن تحويل ملكية الجزيرتين إلى المملكة العربية السعودية إنما يقصد منه تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين “إسرائيل” ومصر والمملكة العربية السعودية لمواجهة المتشددين الإسلاميين في شبه جزيرة سيناء.

ولكن ثمة شكوك الآن أن ما جرى يبدو كما لو كان تمهيداً لتنفيذ خطة ترامب حول سيناء.

زار كوشنر الشهر الماضي كلاً من المملكة العربية السعودية وقطر ومصر والأردن لحشد الدعم، وحسبما جاء في مقابلات نشرتها صحيفة “إسرائيل”اليوم فقد أعربت الدول العربية الأربعة جميعاً عن مساندتها لخطة السلام

من فوق رؤوس الفلسطينيين

في شهر مارس / آذار نظم البيت الأبيض مؤتمراً شاركت فيه تسعة عشر دولة للنظر في أفكار جديدة للتعامل مع أزمة غزة المتفاقمة. إضافة إلى “إسرائيل”، حضر اللقاء ممثلون عن مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وقطر والبحرين وعمان ودولة الإمارات العربية المتحدة. أما الفلسطينيون فقد قاطعوا المؤتمر ولم يشاركوا فيه.

من أكثر ما حاز على إعجاب فريق ترامب ورقة قدمها ياعوف موردخاي، وهو جنرال إسرائيلي ومسؤول حكومي بارز تناط به مهمة الإشراف على استراتيجية “إسرائيل” في الأراضي المحتلة. اشتملت ورقته على مقترحات منها إقامة منطقة تجارية حرة وتنفيذ مشاريع بنية تحتية في سيناء، وبات كثير من هذه المقترحات حالياً محل تبن من قبل الإدارة الأمريكية التي تسعى للدفع بها قدماً.

زار كوشنر الشهر الماضي كلاً من المملكة العربية السعودية وقطر ومصر والأردن لحشد الدعم، وحسبما جاء في مقابلات نشرتها صحيفة “إسرائيل” اليوم فقد أعربت الدول العربية الأربعة جميعاً عن مساندتها لخطة السلام، حتى لو كان ذلك يعني تجاوز عباس.

لخصت جاكي خوري، وهي محللة سياسية فلسطينية تعمل في صحيفة هآريتز، العناصر المتعلقة بغزة في هذه الخطة على النحو التالي: “ستقوم مصر، والتي لديها مصالح حيوية تستدعي التهدئة في غزة نظراً لما لها من تأثير على ما يجري في سيناء، بلعب دور الشرطي الذي يضبط حماس ويقيدها. أما المملكة العربية السعودية وقطر وربما دولة الإمارات العربية المتحدة فسوف تدفع تكاليف المشاريع التي ستنفذ تحت رعاية الأمم المتحدة.”

لعل ما يشير إلى محاولات “إسرائيل” ضمان الإذعان من قبل حماس ما صدر عن الإسرائيليين مؤخراً من تهديدات بغزو غزة وشطرها إلى قسمين، وذلك بموجب ما أورده الصحفي الإسرائيلي المخضرم رون بين ييشاي. أما الولايات المتحدة فسارعت إلى تعميق الأزمة في غزة بسحب مساهماتها المالية لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين (الأونروا)، التي تناط بها مهمة تقديم العون للاجئين الفلسطينيين، على الرغم من أن معظم سكان غزة هم لاجئون يعتمدون على ما تقدمه لهم الأمم المتحدة من معونات.

تذكر خطط”إسرائيل” وواشنطن بشأن غزة بنموذج التهدئة والاسترضاء الاقتصادي الذي شكل إطار عملية أوسلو للسلام في نهاية التسعينيات.

الفائدة التي يمكن أن تجنيها حماس من الموافقة على خطة سيناء هو أنها ستتحرر أخيراً من القيود التي تفرضها “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية على غزة. حينها، سوف تكون في وضع أفضل يمكنها من الإبقاء على حكمها للقطاع طالما نأت بنفسها عما يثير حفيظة المصريين.

نموذج أوسلو للتهدئة والاسترضاء

تذكر خطط “إسرائيل” وواشنطن بشأن غزة بنموذج التهدئة والاسترضاء الاقتصادي الذي شكل إطار عملية أوسلو للسلام في نهاية التسعينيات.

بالنسبة لـ”إسرائيل”، كانت أوسلو فرصة مواتية لتدمير اقتصاد الضفة الغربية الذي كان ريفياً إلى حد كبير والذي اعتمد عليه الفلسطينيون لقرون. لطالما تاقت “إسرائيل” لوضع يدها على المنطقة بسبب ما تتمتع به من إمكانيات اقتصادية كامنة وكذلك بسبب ارتباطاتها بالحقبة التوراتية.

تعتمد المئات من التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية على هذه الأراضي للزراعة، وبسبب الاحتياجات الاقتصادية والتقاليد المتوارثة يرتبط أهلها بمواقع تاريخية فيها من خلال جذور ضاربة في العمق. إلا أن اجتثاث القرويين وإجبارهم على العيش في عدد محدود من المدن الفلسطينية، وإخلاء الأراضي للمستوطنين اليهود، يتطلب نموذجاً اقتصادياً بديلاً.

كجزء من عملية أوسلو بدأت “إسرائيل” بإنشاء سلسلة من المناطق الصناعية بتمويل من مانحين دوليين وذلك فيما بات يعرف باسم “نطاق الدرز” ما بين “إسرائيل” والضفة الغربية.

ثمة ما يكفي من الأسباب للاعتقاد بأن هدف مبادرة “إسرائيل” وترامب هي إعادة تموضع الفلسطينيين بالتدريج بحيث يقيمون في سيناء وذلك من خلال تمويل مشاريع البنية التحتية هناك.

كان من المفروض أن تفتح “إسرائيل” والمجتمع الدولي مصانع هناك لتوظيف الأيدي العاملة الفلسطينية الرخيصة وبحد أدنى من الضوابط. وكان ذلك سيعني الانتقال بالفلسطينيين من مزارعين يرتبطون بقوة بأراضيهم إلى قوة عمالة عرضية تتركز داخل المدن.

وكانت “إسرائيل” ستحصل من ذلك على فائدة إضافية تتمثل في تحويل الفلسطينيين إلى مجتمع قلق ترتبط معيشته بالمنظومة الصناعية الإسرائيلية، فإذا ما سولت لهم أنفسهم فيما بعد المطالبة بدولة أو حتى الاحتجاج من أجل حقوقهم، ستعمد “إسرائيل” بكل بساطة إلى قطع الطريق عليهم فلا يصلون إلى المناطق الصناعية، وبذلك يجوعون فيرضخون ويستسلمون.

السجانون الجدد

ثمة ما يكفي من الأسباب للاعتقاد بأن هدف مبادرة “إسرائيل” وترامب هي إعادة تموضع الفلسطينيين بالتدريج بحيث يقيمون في سيناء وذلك من خلال تمويل مشاريع البنية التحتية هناك.

وإذا ما تم التوافق بين البلدين على صيانة مصالحهما الأمنية سيكون بإمكان “إسرائيل” فيما بعد الاعتماد على مصر حتى تقوم نيابة عنها بتسكين وتهدئة واسترضاء الفلسطينيين في غزة. وسوف تتوفر لدى القاهرة بموجب هذه الخطة العديد من الطرق لتلقين قوتها العاملة الجديدة من العمال المهاجرين درساً.

ومن ذلك القيام بإغلاق مشاريع البنية التحتية مؤقتاً، بل وتسريح العمال، إلى أن يسود الهدوء. كما سيكون بإمكانها إغلاق معبر رفح الحدودي بين غزة وسيناء، وسيكون بإمكانها وقف تشغيل مولدات الكهرباء ومحطات تحلية المياه، وحرمان غزة تماماً من الطاقة والمياه العذبة.

وبهذه الطريقة ستبقى غزة تحت رحمة الإسرائيليين دون أن تتحمل “إسرائيل” المسؤولية عما يحل بهم، لأن مصر هي التي ستقوم بمهمة سجان غزة الجديد، تماماً مثل عباس وسلطته الفلسطينية الذين حملوا عبء القيام بدور سجاني الفلسطينيين في الضفة الغربية.

هذا هو النموذج الذي تريده “إسرائيل” لغزة، وسنعلم عاجلاً أم آجلاً ما إذا كانت مصر ودول الخليج تريده لها أيضاً.

المصدر: نون بوست

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى