مدوّنات

الليث إذ يقول لأمه: “أفسحي لي أريد الخلود في وطني”

أخطأ من قال إن فاقد الشيء لا يعطيه، لأن فاقد الشيء يعطيه وببذخ، مدركًا معنى الفقد، فاقد الشيء والباحث عما يفقد يسترخص في سبيله كل ثمن، حتى ولو كانت روحه هي الثمن، وكذا حال الشهيد الطفل ليث أبو نعيم (16 عاماً) من قرية المغير قضاء رام الله، والذي استشهد مساء أمس خلال مواجهات مع جيش الاحتلال.

ليث والذي فقد والدته في طفولته، قرر البحث عن وطن آخر له حدود جغرافية شماله قلبه وأقصاه روحه، فبحث عن وطن ولكن الوطن كان مفقوداً إذ احتله الغاصبون منذ عشرات السنوات.

لا أحد منّا يعلم حجم الألم الذي كان يحياه الليث شوقاً لكلمة “أمي”، لروحها، لعطفها، لحنانها، لحضنها، لا أحد يعلم الليالي التي أمضاها مفتقراً ليد الأم الحانية، إذ كان حزنه عنيداً لا ينام، ولكن لم يطل هذا الشوق وقصُرت مسافة الانتظار، اذ يجتمع اليوم الليث بوالدته، اليوم سيقول الليث لأمه “أفسحي لي أريد الخلود في وطني” وطنه الأم الراحلة، ووطنه تراب الوطن المسلوب، ووطنه قلوب الذين يبكون اليوم فقدانهم لليث الذي راح ضحية غدر رصاص الاحتلال.

الليث علّمنا أن الخلود اذ يُطلب بصدق يُؤتى، وأن الشوق اذ يئِنُ به القلب حُباً تقصر المسافات بين الراحل والفاقد حتى يجتمعا، الليث علّمنا أن الوطن إذ تبذل له روحك تأخذه، فبذل الليث روحه شوقاً لوطنه الأم، وتضحية لوطنه الجغرافي المحتل، الليث علّمنا أن الشهادة إذ طُلبت بيقين تؤتى بذات اليقين، فالليث تمنى أن يرفعه الناس على أكتافهم مرددين عبارات الانتقام وها هم اليوم قد فعلوا.

الليث تمنى أن يُحمل على الأكتاف والدم في شرايين المشيعين يغلي ثأراً لشهداء فلسطين وها هم اليوم فعلوا، الليث تمنى أن تطلع الشمس على وطنه ليشرق بها، فطلعت الشمس على وجهه وهو على الأكتاف محمول، ينظر للأعلى يرى فيها وجه أمه، ويقول للمشيعين أسرعوا بي ها هي أمي تفتح لي صدرها وتناديني بأن “تعال يا طفلي، شوقي لكّ أدنى فؤادي، لم أسميكَ الليث عبثاً، فكنتَ نِعمَ الليث الهصور”.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى