آراء

نحو حَركة فلسطينيّة جديدة في الشتات

إن الدعوة الى تأسيس حركة فلسطينية شعبية ومنظمة تنشُد التغيير و التحرير وتنطلق من الشتات ودول المنافي والمهاجر باتت تكتسب أهمية مُضاعفة في هذه الفترة، وانتقلت من كونها مهمة مؤجلة تشترط “التوافق الفصائلي” إلى حيز المهمة الوطنية الوجودية باعتبارها مسؤولية فردية وجماعية، خاصة على ضوء حقائق الصراع الرّاهنة في فلسطين المحتلة والمنطقة وبالاستناد الى ما أفرزه الواقع الفلسطيني والعربيّ والدوليّ من أزمات ونتائج، وفي ظل ميزان القوى المختل لصالح العدو؛ فاليوم  ليس “المشروع الوطني الفلسطيني”  وحده أو “الفصائل” و “المنظمة” وحدها من يقف على مفترق طرق بل ان الشعب الفلسطيني كله بات يقف على مفترق طرق تاريخي وامام خيارات كلها صعبة وخطرة .

إن الحقيقة الباردة التي يجب الاعتراف والإنطلاق منها تكمن في النتائج الكارثية التي لازمت مرحلة أوسلو ونتجت عنها. فهذا الفشل الذريع المدوي والصارخ الذي أصاب تيار ومشروع  التسوية عنى في الجوهر سقوط مشروع الدولة الفلسطينية الذي قادته واسست له البرجوازية الفلسطينية الكبيرة المرتبطة مع كيان الاحتلال، وإن سقوط ما يُسمى بمشروع “الدولة” يعني في الجوهر سقوط أخير لما يسمى “حل الدولتين” وبل وانهيار لكل محاولات التصالح مع الكيان والتكيف مع شروط الهزيمة التي لحقت بالعرب منذ العام 1948 وصولاً إلى العام 2017 .

 هذه الحقيقة تستدعي إعادة النظر مجدداً في دور الحركة الوطنية في الشتات الفلسطيني على نحو خاص ، حتى يستعيد دوره ومسؤولياته ، ولأن حق العودة للاجئين يتعرض إلى تصفية علنية ويومية، ولأن شعبنا كله في الوطن والشتات بات يدرك في أعماقه أن حركته الوطنية التحرُرية وصلت إلى مأزق تاريخيّ مُعقد لم يعرف مثيلا له منذ  100 سنة وعلى مدار تجربته الكفاحية التاريخية في مواجهة قوى الإستعمار والصهيونيّة والرّجعيّة، ولأن التجمعات الشعبية الفلسطينية في الوطن المحتل لا تستطيع وحدها حمل أعباء عملية التحرير ، وقبل كل شئ لأن هذا ليس خياراً بقدر ما هو واجب ومسؤوليته وقدر طبيعي تمليه حقائق الصراع والمرحلة.

ماذا تعني الدعوة إلى النهوض الشعبي الفلسطيني في الشتات والمهاجر؟ تعني إطلاق وتأسيس حركة فلسطينية عربية وأممية الانتشار والدور قادرة أن تستقطب الطاقات والكفاءات الوطنية الفلسطينية المعطلة في مختلف المجالات والساحات وزجها في معركة العودة والتحرير مرة أخرى.

إن تشكيل قوة سياسيّة فلسطينية عربية مُنظمة وضاغطة مسألة تتجاوز مفهوم “اللوبي الفلسطيني” و “مجموعات الضغط” و “المؤتمرات” إلى فضاء اوسع وحراك وطني ديمقراطي شعبي منظم يقف خارج تأثيرات وسطوة السلطة الفلسطينية وخارج خطاب الفصائل التقليدية ولا يخضع إلى ضغط ومصالح الأقطاب والمحاور الدولية والقوى المقررة في الأقليم ولا يعيش في فقاعة وتصورات وهمية قديمة ، سقطت حكماً بقرار الواقع الحي وبالتجربة ونتائجها المحققة.

إذن، تجديد الحركة الوطنية الفلسطينية التي هي مهمة وطنية جماعية لن تتحقق بالتمني والحلم ، ولا من خلال تيار او لون سياسي فكري واحد بل تشترط حراك شعبي اصيل يقوده الجيل الفلسطيني من الشباب والكفاءات الوطنية وهذا يعني أيضاً الشروع في بناء المنظمات والاتحادات الطلابية والنسوية والشعبية التي يمكنها أن تتصدى للقوى والدول من فوق أرضها وتواجه الحَركات الصهيونية والعنصرية وجهاً لوجه وتكشف التورط الرّسمي للدّول الغربية المعادية التي تحتضن الكيان الصهيوني العُنصري “اسرائيل” وتقدم له عناصر وأسباب القوة والهيمنة والتفوق التكنولوجي والاقتصادي والعسكري.

اننا اليوم في حاجة إلى مثل هذا الحراك الشعبي الفلسطيني في الشتات الذي ينشد التغير الثوريّ الرّاديكالي في ” الساحة ” الفلسطينية وليس التكيف مع الواقع أو قبول شروطه. ولا تكرار واجترار مقولات قديمة لا تفضي الا لمسارات وطريق العبث والعدم.

 إن المطلوب في الواقع حركة فلسطينية تضع القضية الفلسطينية مرة أخرى في حيّز الحضور الفاعل على المسرح الدولي والشعبي وتدفعها إلى مواقع متقدمة في ميادين الإعلام والسياسة والثقافة كما في النقابات والجامعات والأحزاب والحركات السياسية والإجتماعية وفي القلب منها قوى اليسار وحركات التغيير الثوري الديمقراطي التي تخوض نضالات وصراعاً شبيهاً ، فهذه القوى الشعبية هي الحليف الطبيعي للنضال الفلسطيني والعربي في مواجهة كيان العنصرية والاستيطان والسياسات الأمريكية، وتشمل معسكر صديق وكبير يصل الى السود في أمريكا والسكان والاصليين في كندا واستراليا وحركات التحرر في ” العالم الثالث ” وصولاً إلى دول صديقة كبوليفيا وكوبا وفنزويلا وغيرها.

إن مصادرة صوت الشعب الفلسطيني واقصاء دور ” الشتات الفلسطيني ” وما يتعرض له حق العودة من عملية شطب علنية باتت تستوجب الكسر العلني لاحتكار القوى الطبقية الفلسطينية المهزومة التي قادت الحركة الوطنية الفلسطينية لأكثر من خمسة عقود وفشلت في تحقيق النصر. فشلت في تحقيق الدولة والعودة والتحرير. فشلت في حماية وتحصين الجبهة الداخلية الفلسطينية من الإختراق الصهيوني والأمريكي وفشلت في التنمية والتعليم وفي ضمان وحدة الشعب والحقوق. الامر الذي يذكر بنصيحة الأديب الشهيد غسان كنفاني عن تغيير الفاسدين والفاشلين وليس تغير القضية والحقوق والاهداف الوطنية!

 لم تعد سلطة أوسلو وكيانها الهزيل التابع في رام الله وغزة قادرة على المضي في مشروعها متراً واحداً الى الامام لأنها تعيش فشلا ومأزقاً خانقاً يتجاوز سؤال الشرعية السياسية والقانونية التي تسعى لتجديدها من بوابة المصالحة في القاهرة. إن السلطة اليوم لا تملك إلا تقديم المزيد من التنازلات المجانيّة للعدو الصهيوني والولايات المتحدة ومشيخات النفط في الخليج على حساب الشعب الفلسطيني وكل ذلك من أجل الحفاظ على موقعها وامتيازاتها الطبقية.

ولأننا في أمس الحاجة إلى التجديد والتغيير باعتباره شرط النهوض الشعبي الفلسطيني فلا مستقبل لحركة وطنية جذرية في الشتات إلا إذا كان الدور المركزي والقيادي فيها للشباب والمرأة الفلسطينية، اي حركة بقيادة الطبقات والفئات الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير والتحرير والتي تسير مع روح العصر وتعبّر عن الشرائح والكتل الشعبية الكبيرة التي جرى مصادرة صوتها وحقوقها.

إنها اذن حركة الأكثرية الشعبية الفلسطينية الصامتة في الأردن وسوريا ولبنان ومصر والخليج العربي وفي أوروبا وامريكا الشمالية واللاتينية وكل عاصمة ومدينة ومخيم في الشتات ، حركة فلسطينية نعم لكنها  ” عالمية ” الحضور، اذا ارادنا حقا احداث التغيير الوطني الشامل وتجديد الدماء الفلسطينية في شرايين ومفاصل الحركة الوطنية واستعادة البوصلة واستئناف طريق العودة والتحرير.

ولا مستقبل لحركة فلسطينية الا اذا كانت ديمقراطية التوجه والقرار والبنية التنظيمية، تعيش على أرض الواقع بين الجماهير وليس فقط على مواقع التواصل الاجتماعي والفضاء الإفتراضي والمؤتمرات على أهميتها ودورها كأدوات للتواصل والإعلام. إن قوة أي حركة جماهيرية تكمن في قدرتها أولا على استيعاب طاقة الشباب والطلبة والعمال والمهندسين والمعلمين والأطباء والكتّاب والصحفيين والفنانين ورجال العمال الوطنيين وكل فئات شعبنا وقطاعاته العمرية والمهنية.

ما يريده شعبنا ويطمح اليه هو اطلاق حركة تعتبر أولوياتها في وحدة شعبنا وتحشيد قواه خلف حقوقه الوطنية المشروعة في إطار المقاومة الشعبية والمسلحة بكافة أشكالها، وفي توسيع مقاطعة وعزل الكيان الصهيوني عربياً ودولياً، والنضال ضد أشكال التطبيع وقطع العلاقات مع العدو الصهيوني وتعتبر نفسها جزءاً من معسكر المقاومة الفلسطينية والعربية والاممية الرافض لتشريع  كيان الاحتلال أو الاعتراف بشرعية دولة الإستيطان العنصرية في فلسطين المحتلة.

ان حركة فلسطينية وطنية تنطلق من نداء الواجب الوطني والقومي وتتحّمل مسؤوليتها تجاه  كل شعبنا في الوطن والمخيمات يعني حكما ان تناضل ضد أمراض المناطقية والعشائرية ونهج الاقصاء والهيمنة. وتعرف مسؤوليتها تجاه الحركة الوطنية الأسيرة المناضلة في سجون العدو وتعتبر تحرير الأسرى أولوية وطنية وتعمل لبناء جسور العمل مع شعبنا في كل فلسطين المحتلة وفي القلب منها الجزء المحتل من الوطن عام 1948.

حركة فلسطينية في الشتات تشكل الرئة النظيفة لشعبنا في الداخل التي يتنفس من خلالها فتكون مصدر عون واسناد لتعزيز صموده في الوطن والمخيمات وبديلاً عن ” الدول المانحة ” وما يُسمى ” مجموعة المساعدات الدولية ” وتعمل على حماية ودعم المؤسسات الوطنية بدون شروط وخارج نظام وثقافة وقوانين ما يسمى ب ” المنظمات غير الحكومية ” ! “

حركة فلسطينية وطنية تعرّف نفسها كحالة وطنية أصيلة وامتداد طبيعي وتاريخي لحركة النضال الفلسطيني والعربي وتنتمي لتاريخه وتراثه الثوريين وترى التناقض الرئيس مع الإمبريالية والصهيونية والرجعية، وتحتضن أبناء وبنات كافة قوى المقاومة على اختلاف تياراتها السياسية والفكرية والحزبية.

حركة ترفض الصراعات والحروب الداخلية في الوطن العربي وتناضل ضد الطائفية والمذهبية المقيتة وتساهم في بناء حالة ثورية عربية بديلاً لأنظمة القهر والاستبداد والتبعية.

خلاصة :

إن طرد وتشريد السكان الأصليين للبلاد من الفلسطينيين العرب خارج وطنهم بالقوة العسكرية ومختلف أساليب المجازر والحروب والحصار والترحيل القسري، ليست جريمة ومسؤوليته ” اسرائيل ” وحدها وحسب، فهناك أيضاً قوى دولية وعربية ومحلية ضالعة هي الأخرى في الجريمة وهي معروفة الاسم و الهوية، وكل هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم وتوقيع الاتفاقيات اللاشرعية مع كيان العدو ومحاولة فرضها بالقوة وبالحصار والعدوان على الشعب الفلسطيني..

وعليه، فإن مهمة اي حراك متجدد يستوجب تحديد ومواجهة الكوابح والمعيقات الرئيسية الداخلية التي تعيق عملية التغيير والتحرير وليس فقط العقبات الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية والعربية الرّسمية، وإن كانت هذه تشكّل معسكر العدو وأقطابه المتعددة لكن هناك معيقات فلسطينية تحول دون إنجاز مشروعنا التحرري الوطني والإجتماعي وتمكين شعبنا من استعادة قراره الجماعي وحقه الديموقراطي الطبيعي في تقرير مواقفه وعلاقاته مع محيطه العربي والدولي.

ان هذا التشابك الجاري في المصالح بين طبقة الراسمالية الفلسطينية الكبيرة في الداخل وبين كيان الإحتلال بات يشّكل العقبة الكبرى وتحد من نوع خاص على مستوى التناقض الدّاخلي الفلسطيني الأمر الذي يفترض مواجهة طبقة اوسلو ومشروعها السياسي الذي لن يتعدى ما يُسمى ” الحكم الإداري الذاتيّ”. ولو جرى الباسه طربوش واسم ” دولة فلسطين ” على الورق !

وإن الأسئلة الكبيرة التي يطرحها الشعب الفلسطيني لا تمس جوهر وأهداف حركة النضال التحرّري الفلسطيني وحسب، بل وتمس أيضاً الوجود المادي لشعبنا وتضرب وحدته الوطنية وتهدد مستقبله وتعرض هويته وحقوقه الوطنية إلى خطر التبدد والتلاشي والتصفية.

ويبدو أننا عدنا من جديد إلى طرح ذاك السؤال الجارح الذي أطلقه الأديب الشهيد غسان كنفاني في صحاري التيه قبل أكثر من نصف قرن، حين ألقى بالحكمة على لسان الدليل الكاذب وسؤاله – الصرخة – للرجال الذين ماتوا تحت الشمس وفي فرن ومحرقة الصمت والموت : لماذا لم يطرقوا جدران الخزّان !؟

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى