أخبار

سوسيا.. حكاية أخرى لصراع البقاء على الأرض

يُخيل للبعض أنهما واقعان منفصلان، يحملُ كلٌ منهما تفاصيل مختلفة. جرّد الواقع من أقنعته وانس الخطابات السياسية هنا وهناك، تدرك سريعاً أن الحديث يدور عن ذات الواقع وذات الحكاية، التهجير والسيطرة على الأرض.

عندما تذهب جنوباً نحو النقب وتسمع عن تمسك البدوي بأرضه أمام مخطط “برافر-بيجن”، ومن ثم تذهب مرة أخرى جنوباً، ولكن هذه المرة داخل ذلك الخط الأخضر، وتسمع كذلك عن ثبات ابن الخليل على أرضه رغم ادعاءات المناطق الأثرية ومناطق “ج” .. ففي الأمر بعض ما يبعث على الأمل. نعم أعني الأمل فعلاً! فعلى الأقل يوحدنا الهم نفسه وتحمل حياتنا الملامح ذاتها… حتى وإن كانت ملامح القهر.

إلى الجنوب الشرقي من يطا جنوبي محافظة الخليل تقع خربة سوسيا.. القرية الفلسطينية التي تعيش فيها 45 عائلة يبلغ تعداد أفرادها ما يقارب الـ400 نسمة.

يبدو أنه اعتاد على شرح حكاية القرية للزوار الكثيرين، فبدون سؤال مفصل بادر محمد النواجعة أحد سكان القرية بالقول: “أنا من مواليد 1946 قبل أن توجد دولة “إسرائيل” أصلاً”. هل ولدت هنا في سوسيا سألناه؟ “لا ولدت في منطقة تل عراد – داخل الخطّ الأخضر – فقد كانت أراضي يطا تمتد إلى هناك، ولكن تم تهجيرنا من تلك الأراضي فسكنا بعدها في سوسيا”.

محمد أحمد النواجعة يتحدث لفريق شبكة قدس في خيمته السكنية في سوسيا

محمد أحمد النواجعة يتحدث لفريق شبكة قدس في خيمته السكنية في سوسيا

بعد أن اعتاد سكان سوسيا على توزيع أوقاتهم بين أراضيهم في غور عراد جنوبي الخط الأخضر وبين مركز قريتهم سوسيا جنوبي جبال الخليل، وفقاً لفصول السنة، هجرهم جيش الاحتلال من أراضيهم الممتدة على مساحة أكثر من 3000 دونماً فتجمعوا في مركز القرية عند الخربة، وهو ما أشار إليه النواجعة.

سكن الأهالي إلى جانب بقايا آثرية تُسمى “خربة سوسيا” وهي مركز القرية. وحين وقعت الضفة الغربية تحت الاحتلال عام 1967، بدأت مصلحة الأثار الإسرائيلية بالتنقيب عن الآثار في نفس المنطقة، وادعت لاحقاً أنها عثرت على بقايا كنيس فيها.

في العام 1986 قام جيش الاحتلال بترحيل أهالي سوسيا من بيوتهم في الخربة بعد أن أعلنت الإدارة المدنية عنها “حديقة وطنية” في مركزها موقع أثري. يقول أبو :”هجرونا وقالوا لنا اذهبوا إن شاء الله الى البحر، لكن لا نريدكم هنا. بعض العائلات ذهبت إلى يطا، والآخرون انتقلوا إلى أراضيهم الزراعية التي يملكونها والموجودة على بعد أمتار قليلة من القرية الأصلية”.

يقول النواجعة: “لم يكن هناك لا ماء ولا كهرباء، قمنا بحفر الآبار لتجميع المياه، وقامت بعض المؤسسات بمساعدتنا مؤخراً لتركيب طاقة شمسية”، والمضحك أنك عند الالتفاف يسارا على الشارع الرئيس لدخول القرية أول ما يصادفك عمود الكهرباء الذي يمد الموقع الأثري الذي أقامته السلطات الإسرائيلية في مكان الخربة لاستقبال “السياح”. ويتبع الموقع الأثري اليوم لمستوطنة سوسيا ويمنع الفلسطينيون من دخوله منعاً باتاً حتى كـ”زائرين”.

إحدى خيم الفلسطينيين في سوسيا ويظهر في خلفية الصورة الموقع الاستيطاني السياحي الجديد الذي أقامه الاحتلال مكان الخربة الأصلية (عند الكرميد)

إحدى خيم الفلسطينيين في سوسيا ويظهر في خلفية الصورة الموقع الاستيطاني السياحي الجديد الذي أقامه الاحتلال مكان الخربة الأصلية (عند الكرميد)

يستذكر النواجعة إنه في أواخر سنوات التسعينات كان يتلقى أهالي القرية أوامر هدم كثيرة من سلطات الإدارة المدنية الإسرائيلية، لبعض البيوت والآبار. في حزيران 2001 قُتل المستوطن “ليئير هار سيناي” الذي يعيش في مستوطنة سوسيا المقابلة التي أقيمت عام 1983 على أراضي القرية. على إثر ذلك طرد جيش الاحتلال سكان القرية عن بكرة أبيهم، وقد هدم ممتلكاتهم وأتلف المغر وطمر آبار المياه، بهدف طمس أي معلم من معالم الحياة فيها. وتذكر شهادات عدة إن المستوطنين قد شاركوا بعملية التهجير هذه إلى جانب قوات الشرطة والجيش الإسرائيلي.

 محكمة لا تعرف من العدل إلا اسمه

قدّم أهالي القرية على إثر ذلك التماساً إلى المحكمة العليا الإسرائيلية فأصدرت في أيلول 2001 أمراً احترازياً مؤقتاً يسمح لهم بالعودة إلى أراضيهم، ولكن يمنعهم من إقامة أي بناء جديد فيها، إلى أن تم شطب الالتماس من المحكمة العليا نهائياً حتى عام 2007، وهذا يعني أن قضية سوسيا لم يُبت فيها بعد وما زال أهالي سوسيا يتلقون أوامر جديدة بالهدم، تقدم الاستئنافات ضدها وتؤجل حتى تصدر أخرى جديدة.

آخر الالتماسات المقدمة للمحكمة العليا كانت للسماح للفلسطينيين بدخول أراضيهم وفلاحتها، بعد أن منعوا منها لسنوات طويلة، وما زال الأهالي ينتظرون البنت النهائي في هذه القضية، علما إن حركة “رجفيم” الاستيطانية تنشط لمنع الفلسطينيين من وصول أراضيهم وتدعي ان وجودهم “خطر على المستوطنين” وإنهم يبنون بيوتهم بدون رخص على أرضٍ ليست لهم!

وفي محاولة أخرى للالتفات على كلّ هذه التضييقات وللبقاء على أراضيهم قام السكان بتقديم طلبات لاستصدار رخص للبناء ومخططات هيكلية للقرية للإدارة المدنية التابعة للاحتلال، نظراً لأنها في منطقة “ج” إلا أنها رفضت كلها. ومن المعلوم أن منظمة التخطيط الإسرائيلية في مناطق “ج” الخاضعة كلياً لللسيطرة الإسرائيلية لا تسمح بالبناء والتطور في القرى الفلسطيني الواقعة ضمن هذه المنطقة إلا بما نسبته 1% كما تفيد بعض تقارير مؤسسات الأمم المتحدة.

في المقابل، تمتنع الإدارة المدنية عن فرض قوانين التنظيم والبناء الإسرائيلية على البؤر الاستيطانية المحيطة لقرية سوسيا والتي أقيمت دون الحصول على “ترخيص إسرائيلي”، مثل “جفعات معون”، و”متسبيه يئير”، بل أكثر من ذلك، فقد سمحت بوصلها ببُنى المياه والكهرباء التحتية.

يقول: “إحدى التبريرات التي ساقوها لرفض المخططات هي أن أماكن تواجد المراعي والغنم قريبة على اماكن السكن!”، الأمر الذي اعتبره تدخلاً في نمط الحياة الذي اعتادوا عليه مئات السنين وورثوه أباً عن جد.

إحدى الخيام السكنية في سوسيا وتظهر في خلفية الصورة بيوت مستوطنة سويسيا

إحدى الخيام السكنية في سوسيا وتظهر في خلفية الصورة بيوت مستوطنة سوسيا

اعتداءات المستوطنين

ولا يسلم أهالي سوسيا من اعتداءات المستوطنين على أراضيهم وبيوتهم، وبعضها وثق بالصوت والصورة وأرفقت بشكاوى قدمت لشرطة الاحتلال، وكان مصيرها الاهمال واغلاق ملفات التحقيق بدون توجيه تهم للفاعلين المعروفين والظاهرين في الفيديو. وقد ذكرت صحيفة “هآرتس” في آب 2012 إنه ومنذ العام 2001 ولغاية العام 2012 تقدم أهالي سوسيا بحوالي 200 شكوى لمركز شرطة الاحتلال في مستوطنة كريات اربع، ضد اعتداءات المستوطنين التي شملت الاعتداء الجسدي، اقتلاع اشجار، المس بالحيوانات، التهديد، رشق الحجارة، إزاحة حدود، والتسبب باضرار للممتلكات، الا ان معظم هذه الشكاوى تم إغلاقها دون تقديم اي لائحة اتهام.

مدرسة القرية الابتدائية

مدرسة القرية الابتدائية

محمد النواجعة الذي توجه إلى ألمانيا في ستينات القرن الماضي في محاولة لتحقيق حلمه بالدراسة ولكن لم يسمح له بدخول أراضيها، قال لفريق شبكة “قدس” حينما سألناه: “لماذا لا ترحل إلى يطا كما رحل آخرون وتركوا كل هذه المصاعب؟” مباشرة أجاب مستنكراً واثقاً: إحنا إلنا هنا 27 سنة بنجاهد ..هذه أرضي عندي هنا 70 دونم.. أروح وأتركهم؟!”.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى