شبكة قدس الإخبارية

مسمار الثورة في نعش الحدود

مجد كيّال
مسمار الثورة في نعش الحدود
مجد كيال
1525

جنود اسرائيليون خلال تدريبات (أ ف ب)

لنحاول تصوّر مسألة صراع الحدود وصراع الوجود في مواجهة الصهيونيّة على ثلاثة محاور متشابكة: العسكري، السياسي والثقافي.
يبدو للوهلة الأولى ارتباط المسألة بالعمليّة السياسيّة. تكريس صراع الحدود مع إسرائيل على حساب صراع النفي الوجودي بدأ بتفاوض الرجعية العربيّة (تشمل القيادة الفلسطينية) على الأرض والمساحة، من اتفاقيات الاستسلام بعد النكسة وحتى القبول بتجزئة فلسطين وتثبيت حل الدولتين، حتّى مقايضة الأرض بالصلاحيّات التي تحوّل الحكم المحلي الفلسطيني تحت الاحتلال إلى شبه سلطة في شبه دولة.
الانحدار باتجاه صراع الحدود على الصعيد السياسي مستمر- لا تخافوا على أبو مازن- إنما يقابله في الوقت ذاته تحوّل جذري آخر على المستوى الاستراتيجي والعسكري في رؤية الصراع، وهو تلاشي معنى الحدود في المواجهة بين العرب وإسرائيل.
ما الصورة التي لدينا الآن؟ تعاظم قوة حماس العسكرية، تسليم إسرائيلي بقوة حزب الله ونهايةً- إفلاس جيش النظام السوري وسقوطه في حمام الدم الداخلي آخذًا معه استراتيجيات القتال التقليديّة. لصالح من؟ لصالح تشكيلات لا مركزية (تنظيميًا) تهدد الاستقرار على جبهة الجولان. أمامنا التقاء بين سقوط نظام سياسي من جهة، وتبدّل طبيعة المواجهة مع إسرائيل من جهة أخرى، وهذا يشكل كابوسًا على إمكانيّات إسرائيل مواصلة إدارتها للصراع.
تعكس التسريبات العسكرية في الصحافة الإسرائيلية الرأي السائد، نحاول وصفه وتلخيصه فيما يلي: الحرب التقليديّة انتهت، والتوغّل الذي تورطنا به في العام 2006 لم يعد ممكنًا. السيطرة على المساحة لم تعد مكسبًا بل عبئًا مستنزفًا يطيل القتال. العمق هو المسألة، الإنزال والقصف بالقنابل الذكيّة في حربٍ تعتمد على الاستخبارات، هذه هي الحرب القادمة، وقد قدّمت اسرائيل "بروفا" لهذه الاستراتيجية في الحرب الأخيرة على قطاع غزّة.
لا يزال ينقصنا المحور الثالث- ليست القضيّة قدرة المقاومة اللبنانيّة على استهداف الدبابات في وديان الجنوب، ولا هي قدرات المقاومة في غزّة، بل الأمر أعمق من ذلك بكثير: إن إمكانيّة خوض معركة الدفاع عن الحدود هو شغل سيادة الدولة الحديثة، والأخيرة مفقودة تمامًا، غير مُمكنة. الدولة العربيّة لا تزال عالقة في متلازمات الاستعمار الذي لا زال يتجسد بالصهيونيّة. لا يمكن الحديث عن صراع حدود دون دولة، ولا يمكن الحديث عن دولة عربية في ظل وجود استعماري ما.
أمامنا حالة ثقافيّة مشبعة تاريخيًا بعقيدة ثورية مقاومة للاستعمار، وهي تتناول بإيجابيّة الانتشار العسكري للعدو على أكبر مساحة ممكنة لتسهيل ضربه. هذه ثقافة لم يتبلور فيها بعد معنى الحدود، لأن المقاومة لم تنجز تحررها بتأسيس الدولة الحديثة. هذه الثقافة التي تغيب عنها قيمة الحدود لن تتغيّر لطالما يحبط الاستعمار ولادة الدولة الحديثة.
أمامنا أشباه دول لم تتحرر من الاستعمار كاملةً فلا تستطيع فرض سياستها على الأرض والمساحة، فتنكمش لتمارس السيادة على نفسها، أي سيادة النظام على الموطن، وحين يدير الجنود بنادقهم نحو المواطنين في الداخل، لا يستطيعون رؤية الحدود.
من غير الممكن تحويل الصراع إلى صراع حدود، فحتّى لو لزم الإسرائيليّون الحدود المتفق عليها في معاهدات الاستسلام، لا يمكن لمسخ الدولة أن تستمر إلى الأبد، ولا بد أن تشهد – وهي تشهد- ولادة الدولة الحديثة عبر الثورة. رغم الألم السوري، الأركان الثقافيّة في المجتمع تهتز كما تهتز الأركان العسكريّة، أما السياسة فتحاول أن تؤسس الدولة واصلةً بين الثقافي والأمني.